ولهذا نحن نكره أن يشتغل الناس بهذه العلوم الربانية الأعلى نهج التقليد والتسليم ايمانا بالغيب ، فان المستعدين لها قليل ، والمستفرغين مجهودهم في سبيلها أقل ، والصابرون الواصلون بعد الفراغ أندر كثيرا مثل الكبريت الأحمر ولهذا السبب وقع المنع في شريعتنا المطهرة عن البحث عن سر القدر ، وعن ماهية الروح التي من عالم الامر وما يجري مجرى هذين .
واللّه نسئل أن يعصمنا من الضلال ، وأن يحرسنا عن التردي إلى مهوى النكال ، وأن يسلك بنا سواء السبيل ، ويحفظنا عن التشبيه والتعطيل ، واللّه ولي الفضل والنعمة ومعطى الفيض والرحمة .
فالغرض ان اللّه سبحانه مثّل على المنكرين للمعاد وارتجاع النفوس الآدمية إلى الأبدان وعودها إلى كلاية الأجساد بأمثلة ثلاثة ، كل واحد منها أعجب وأشكل عند العقول البحثية من أمر المعاد :
أحدها : مثال تعلق النفس بالبدن ، فإنه أمر مشكل عجيب ، فإنها كيف تعلقت به ، وهي ليست حالّة فيه حلول الاعراض في محالّها ، ولا حلول الصور في المواد ، فإنها جوهر قائم بنفسه يتوارد عليه الكيفيات النفسانية من العلوم والأخلاق ، وهو يعرف ذاته ، ويعرف خالقه ويعرف كثيرا من المعقولات الكليّة من غير حاجة له فيها إلى البدن ولا إلى شيء من الحواس ، لان شيئا من هذه المعارف ليس محسوسا ومن استغنى عن شيء في وجود فعله أو انفعاله فيكون مستغنيا عن ذلك الشيء في وجود ذاته على طريق الأولى ، فلا يكون وجود النفس في البدن وجود عرض في موضوعه ولا صورة في مادتها .
والإنسان في حال حيوة البدن يمكن أن يتصور نفسه غافلا عن المحسوسات كلها ، وعن الأبدان والابعاد والاجرام كلها ، وهو في تلك الحالة عارف بنفسه
تفسير القرآن الكريم — صفحة 355
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٥٥