أنهم يطلبون العلة في آحاد البسائط ويريدون أن يكون العلة مستفادة من عنصر الشيء ، ولا يحيلونها إلى الأمور الإلهية التي تنبعث منها أسباب كل شيء ومباديه بل يطلبون أن يخيل لهم كل قوة وكل طبيعة حتى تصير مرتسمة في أذهانهم من غير ارتياض لهم في العقليات ، ولا مكاشفات ذوقية لهم في السمعيات ، ولم يعلموا ان غاية ما يمكن أن يعطى من السبب في وجود الطبائع وترتب آثارها العجيبة من جذب المقناطيس وتورى المرخ والعفار ، وسميته البيش « 1 » وترياقية الجدوار « 2 » أمور ثلاثة :
أحدها : الفاعل - وهو تدبير الصانع وجوده وعدله وإعطائه كل شيء بموجب الحكمة والجود ما يليق إعطائه إياه ، والصانع أعطى الهيولى التي أبدعها من الصور ما كان يجب في حكمته وجوده على التقسيم والتقسيط ، الذي كان يقتضيه تقديره وعدله .
والثاني : القابل - وهو أن يقال إن القابل كان مستعدا لهذا الضرب من التخليق والتصوير ، وكان استعداد ما يحصل له في حال البساطة قبل التركيب استعدادا آخر ، وما يحصل له بعد التركيب وتلاحق الأمور به بحسب أنحاء التركيب وأنواع التمزيج استعدادا آخر .
والثالث : الغاية - وهو الغرض الحكمي في صنع الصانع ما صنع لأجله ، وله الخلق والامر ، تعالى عما يصفه الجاهلون - وعن خلو فعله عن داع وغاية كما زعمه الأكثرون - علوا كبيرا .
فهذه الأمور غاية ما يصل اليه أفهام العقول ، وأما ما وراء ذلك فمما يقصر الإدراك البشري عن إدراكه ، ولا يمكن الوصول اليه بطور العقل النظري الا بمتابعة الأنبياء والاقتداء بآثارهم ، والاقتباس من مشكاة أنوارهم ، والعجب من هؤلاء إذ
هامش
( 1 ) - نباتات عشبية فيها سم قاتل يستعمل في الطب كدواء ضد التشنج .
( 2 ) - نبات طبية يستعمل كترياق لسم البيش .