وهكذا الإنسان لا يستعد لنفخ الروح الإلهي القابل للخلافة الالهيّة ومسجوديّة الملائكة العلويّة والسفلية ما لم يرتض بالرياضات النفسانيّة ، ولم يتهذب بالتهذيبات العقلية ، ولم يمتحن بالمحن الشديدة ، والتكاليف الشرعيّة والآداب النبوية - من الصيام والقيام وغيرها ، وتكثير الأوراد والدعوات ، ومواصلة الأذكار والتسبيحات طول الليالي والأنهار - وهكذا حتى مضت عليه مدة مديدة من الشهور والسنين ، وبلغ أو ان بلوغه الحقيقي الباطني إلى قرب أربعين ، وهكذا يتطور من طور إلى طور حتى بلغ إلى ما لم يمكن وصفه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
والمقصود ان خلقة المكّونات من البسائط والمركبات - كما دلّت عليه هذه الآية وكثير من الآيات - لأجل ماهيّة الإنسان ووجوده الفائق على سائر المخلوقات على الوجه الذي مر بيانه ، وقد أشرنا إلى أن المتحرك إلى غاية ، ما دام كونه متحركا إليها ، يجب ان يكون أمرا بالقوّة ، شبيها بالعدم ، تحقيقا لمعنى الحركة ، وتحت هذا أسرار لطيفة يختص فهمه لمن وفق له .
إشارة قرآنية
اعلم أن قوله :
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
معناه كما ذكره صاحب الكشاف عملنا بالأيدي ، وذلك لما حقق أن المؤثر الحقيقي في خلق الموجودات هو الباري سبحانه ، والوسائط مسخّرة لقدرته ، سواء كانت ملائكة علويّة أو سفلية ، أو كانت أجراما سماوية أو أرضية ، إذ ليس لشيء منها رتبة الإنشاء والإيجاد اللهم الا ان يراد بالعمل معنى التحريك والاعداد بإذن اللّه المعطى الجواد .
وروح اليد ومعناه الأصلي ليس منحصرا في الجارحة المخصوصة التي اعتاد أهل اللغة بفهمها عند اطلاق لفظ « اليد » بل الواسطة الطبيعيّة بين القدرة