أو لا ترى ان العناصر ما لم ينكسر قوتها وسورة كيفيتها حتى كادت أن يفنى وينفسد ويتعرى عن كسوة الصورة ، لم يترحم الباري عليها بإفاضة وجود مستأنف وإعطاء كسوة جديدة ، وكذا الحبوب والبذور المدفونة في الأرض ، ما لم يتعذب بصحبة المخالط الضّد حتى كادت تنفسد لم تحصل فيه قوة النماء ولم تتخط من طور الجماديّة إلى نشأة النبات .
وكذا ليس كل جسد نباتي قابلا لصورة الحيوان التام ، بل ما مكث في جهنم المعدة مدة الانهضام ، ثم سلك المسالك الضيقة في العروق والمسام ، وسعى في خدمة اللّه وعمارة كعبة القلب الصوري الصنوبري وبيت اللّه الحرام ، حتى يصير سعيه مشكورا وذنبه مغفورا ، وأعطاه اللّه صورة الحس والحركة وأحياه بالحياة الحسيّة .
وكذا ليس كل حيوان يقبل النفس الناطقة التي من شأنها ادراك المعرفة واليقين ، والوصول إلى عالم الآخرة يوم الدين ، بل الذي مضت عليه أيام وشهور محبوسا في جهنم المعدة ، مسجونا بسجن الرحم ومضيق المشيمة ، معذبا بيد مالك الطبيعة ، مقيّدا بقيود سدنة القوى الأربعة الهاضمة وزبانية القوى التسعة عشر الحيوانيّة ، شاربا شراب الحميم ، متغذيا بدم الحيض الحار الأسود ، متلطّخا بالافراث والاوراث مصليّا بنار الحرارة الغريزية - وهكذا - إلى أن يأذن اللّه له في الدخول إلى عالم النعيم الانساني ، وجنّة المشتهيات النفسانيّة ، وكرمه بكرامة الصورة الادميّة ، المحمولة في بر الجسمانيّات وبحر الروحانيات ، المرزوقة من طيبات الكلمات الحكميّة والعقلية ، المفضلة على كثير من المخلوقات ، كقوله :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
[ 17 / 70 ] .