فهذا ما حضرني الآن في بيان هذه الآية ، واللّه أعلم بحقائق آياته وأسرار كلماته .
قوله سبحانه : [ سورة يس ( 36 ) : آية 71 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 )
ثم أعاد الكلام إلى ذكر شواهد التوحيد وآيات الربوبية ، فقال : أو لم يروا أنا خلقنا لهم - اى : لأجل وجودهم ، أو لأجل انتفاعهم - مما عملت أيدينا - اى : مما تولينا خلقه بإبداعنا وانشائنا من غير مشاركة أحد ولا إعانة معين فيه ، لبدايع الفطرة وشواهد الحكمة فيها التي لا يصح أن يقدر عليها الا هو .
و « اليد » في اللغة يطلق على معان : منها الجارحة المخصوصة ، ومنها النعمة - يقال : لفلان يد بيضاء - ومنها القوة - يقال : فلان تلقى قولي باليدين ، اي بالقوة والتقبل - ومنها تحقيق الإضافة ، كما في قول الشاعر « 1 » :
دعوت لما نابني مسورا * فلبّى فلبّى يدي مسور
وانما ثنّاه لتحقيق المبالغة في الإضافة إلى مسور ، ويقولون : « هذا ما جنت يداك » وهو المعنى في الآية ، وإذا قال رجل : « عملت هذا بيدي » دل ذلك على انفراده بعمله من غير أن يكله إلى غيره ، وهو المعنى في الآية .
وفي الكشاف : « عمل الأيدي استعارة من عمل من يعملون بالأيدي » .
قلت : فعلى هذا كان قوله : « مما عملت أيدينا » موضع « مما عملنا بالأيدي » .
و « الانعام » هي الإبل والبقر والغنم - فهم لها مالكون - ولو لم نخلقها لما ملكوها ولما انتفعوا بها وبألبانها وركوب ظهورها ولحومها ، اي : خلقناها
هامش
( 1 ) - البيت في جامع الشواهد .