احتجبوا بالرين المستفاد من اكتساب الرذائل وارتكاب الخطيئات ومزاولة المكائد الشيطانية وطلب الترفعات الباطلة ، حتى رسخت الهيئات الغاسقة في صفحة باطنهم ، وتراكمت الملكات المظلمة على مرآة قلوبهم ، كما قال تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ 83 / 14 ] .
فلا تقبل التصفية والتطهير بعد ذلك لتراكم ظلمتهم وعينية نجاستهم ، كما قال :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
[ 10 / 100 ] وذلك لكونها كثيرة التعلق بالدنيا ، متعلقة الوجود بأجسادها وأبدانها الغالب عليها القوة الشهوية والغضبية مثل الكلب والخنزير ، والدنيا دار النجاسة وطالبها الأنجاس وطلبة الأرجاس ،
لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الدنيا جيفة وطالبها كلاب »
و
ورد أيضا في الحديث : « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها »
« 1 » 41 وان لم يكونوا ذا فطانة وعقل ولا اعتقاد صادق أو كاذب فهم اما المطرودون والمبعدون طبعا من أهل الحجاب ، أو المستضعفون من النساء والولدان .
فالأول هم الأموات المعزولون عن الخطاب ، المختوم على قلوبهم أزلا ، كما قال :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[ 7 / 179 ] فالقرآن لا ينذرهم كما لا ينذر القسم الأول ، الا أن المانع في أحدهما وهم المنافقون وجودي - وهو المرض المزمن - وفي الثاني وهم المطرودون عدمي ، وهو الموت - وقد أخبر اللّه تعالى عن نفي قبول الانذار عن أحدهما بقوله :
كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ 10 / 33 ] وعن نفيه عن الثاني بقوله :
وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
[ 10 / 101 ] وقوله :
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
[ 18 / 101 ] .
وأما المستضعفون فهم غير معلوم العاقبة لا يعلم حالهم الا اللّه .
هامش
( 1 ) - الجامع الصغير : 2 / 17 .