تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
الانسانية « صم ، بكم ، عمى » سلب ادراك المعارف من طريق السمع عنهم ، وسلب معرفة الرجال وأولياء اللّه من باب البصر عنهم ، وكذا سلب عنهم الفطرة الانسانية واستعداد الحياة البقائية الأخروية ، كما أفصح اللّه عن انحطاط درجتهم عما كانوا ونزول رتبتهم عما فطروا عليه بقوله :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
[ 7 / 179 ] ، وقال أيضا :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
[ 8 / 22 ] وقال في النعي عليهم والتصريح بموتهم ميتة الجاهلية :
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
[ 16 / 21 ] . وإذا ثبت ان الكفار والمنافقين فقدت عنهم آلة السمع والبصر وجدوا هما وماتت قلوبهم فلا يجديهم سماع القرآن ظاهرا ولا دراسة الكتاب والحديث رواية بلا دراية ، فقد ثبت ان القرآن لا يشفي عليلهم ولا يروى غليلهم ، لأنهم أهل الحجاب ، الذين حقّت عليهم كلمة العذاب ، وغلقت عليهم الأبواب ، وهو معنى قوله : « ويحق القول على الكافرين » كما قال :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ
[ 10 / 97 - 96 ] وقال أيضا
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
[ 8 / 23 ] . واعلم أن حال أكثر المتظاهرين بالايمان عند التحقيق هذا الحال - وان كانوا من جملة المعدودين عند الناس من أهل الفضل والكمال - كما مضى من قوله تعالى في صدر هذه السورة
« لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
فان مجرد الاطلاع على ظاهر العربية من اللغة والنحو والصرف والعلوم الجزئية وكذا حفظ الأقوال في الحرام والحلال وصنعة المباحثة والقيل والقال ، وصنعة الكلام بالمجادلة من غير بصيرة بحقيقة الحال لا يرتقى به الإنسان عن درجة