الآخرة بالقوة - سواء حصل لهم استعداد قريب كجملة المؤمنين المعتقدين باللّه واليوم الآخر ، الجازمين بصدق دعوى الرسول ، المتابعين للأئمة بعده - أو لم يحصل ، ولكن من شأنهم أن يحصل لهم الاعتقاد اليقيني ، فهذا القدر من الايمان والاعتقاد الجازم باليوم الاخر ، الذي لجملة أهل الايمان يكفى للحث على العمل لأجل الآخرة والعبادة للّه ، وصرف نعمه فيما خلقها لأجله ، ليستعدوا بذلك لليقين ، وهو المعنى بالحياة الأخروية بالفعل ، لقوله :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ 15 / 99 ] .
وأما المدرك الثاني للمعرفة الموجب لبرد اليقين فهو اما الوحي للأنبياء أو الإلهام للأولياء ، ولا تظن ان معرفة النبي صلى اللّه عليه وآله لأمر المبدإ والمعاد أو لأمور الدين تقليد لجبرئيل بالسماع منه ، كما أن معرفتك تقليد له ، حتى يكون معرفتك كمعرفته وانما يختلف المقلد فقط - هيهات - فان التقليد ليس بمعرفة ، بل هو اعتقاد صحيح أو فاسد ، والأنبياء عارفون باللّه وآياته ، ومعنى معرفتهم انهم كشف لهم حقيقة الأشياء كما هي عليها ، فشاهدوها بالبصيرة الباطنية أوضح مما يشاهده الناس بالحواس ، وذلك بأن ينكشف لهم عن حقيقة الروح 38 وهو سلم المعارف وانه من أمر اللّه ، ليس المراد به معنى يقابل النهى ولا المراد به الشأن والشيء - حتى يعم الموجودات كلها - بل العالم عالمان :
« عالم الامر » و « عالم الخلق » وللّه الامر والخلق ، فالأجسام ذوات المقادير والكميّات من عالم الخلق ، لأنه عبارة عن التقدير ، وكل موجود منزه عن الكمية فهو من عالم الامر ، وشرح معرفة الروح مما لا رخصة في ذكره 39 ، لاستضرار أكثر الخلق بسماعه كاستضرار المزكوم بشم رائحة الورد ، بل كاستضرار الجعل بشم رائحة المسك ، لا كاستضرار عين الخفاش برؤية الشمس .
فمن عرف سر الروح فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه عرف ما فوقه من