المفارقات ، حتى تنتهي معرفتها إلى معرفة الحق الأول ، فيعرف أن الجميع مقهورون تحت أشعة نوره الأبهر وكبريائه الأنور ، وإذا علم نفسه وربه علم أنه أمر رباني بطبعه وفطرته وذاته ، وانه في العالم الجسماني غريب ، وان هبوط اليه لم يكن بمقتضى طبعه ، بل بكره ، لأجل أمر عارض غريب من ذاته ورد على أبيه آدم أولا وعبّر عنه بالمعصية ، وهي التي حطّته عن الجنة التي هي أليق به بمقتضى ذاته ، فإنها في جوار ربه ، وانه أمر رباني ، وحنينه إلى جوار الرب تعالى له طبعي ذاتي ، فيشتاق إلى طلب الآخرة إلى أن يصرفه عن مقتضى طبعه عوارض العالم الغريب من ذاته ، فينسى عند ذلك نفسه وذاته .
ومهما فعل ذلك فقد ظلم نفسه واستحق الطرد والبعد ، إذ قيل له :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[ 59 / 19 ] أي الخارجون عن مقتضى طبعهم ومظنة استحقاقهم .
وانفتاح هذا الباب من سر القلب إلى عالم الملكوت يسمى « معرفة » و « ولاية » 40 ويسمى صاحبه « وليا » و « عارفا » وهي مبادي مقامات الأنبياء . وآخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء سلام اللّه عليهم .
وهذه إشارات إلى أسرار يهتز لاستنشاق روائحها العشاق الإلهيون ، ويشمئزّ من سماع ألفاظها المغترون القاصرون ، فإنها تضرهم كما تضر رياح الورد بالجعل ، وكما تبهر الشمس أبصار الخفافيش .
فإذا تمهّدت وتحققت لك أسرارها وأغوارها يظهر عليك أن لفظي « الايمان » و « الحياة القلبية » كالمتردافين في لغة القرآن وفي اصطلاح حامليه كما عند أهل اللّه وأبناء الحقيقة ، وكذا « الموت القلبي » و « الكفر » يجريان مجرى المترادفين ، واطلاق « الحي » على المؤمن و « الميت » على الكافر على