آمنوا به ولم يطالبوه بالبرهان ، ومنهم من قال : « نشدتك باللّه أبعثك اللّه رسولا » ؟
فكان يقول : « نعم » فيصدق .
وهذا ايمان العامة ، وهذا بمنزلة تصديق الصبى والده في أن حضور المكتب خير من حضور الملعب مع أنه لا يدرى وجه كونه خيرا ، واما المعرفة بالبرهان فهو أن يعرف وجه فساد القياس الأول بفساد احدى مقدمتيه ، وان كانت الأخرى صحيحة ، فان قوله : « النقد خير من النسية » محل التلبس ، فإنه لو كانت بين النقد والنسية مماثلة في القدر والمقصود فالنقد خير من النسية والا فلا .
وأما القياس الثاني - وهو أكثر فسادا من الأول لان كلا أصليه باطل ، أما قوله : « اليقين خير من الشك » انما يصح في صورة التساوي والا فلا ، أو لا ترى أن التاجر في تعبه على يقين وفي ربحه على شك ، ومع ذلك يترك الراحة اليقينية طلبا للربح المشكوك فيه ، وكذا المتفقه في اجتهاده على يقين وفي إدراكه رتبة العلم على شك ، ولهذا أمثلة كثيرة .
وأما أصله الاخر وهو : « ان الآخرة شك » فهو أيضا خطاء ، بل ذلك يقين عند المؤمنين ، وليقينه مدركان :
أحدهما الايمان والتصديق تقليدا للأنبياء والأولياء وذلك أيضا يزيل الجهل والغرور وهو مدرك عوام أهل الإسلام ، وأكثر الخلق اطمأنوا به كما تطمئن نفوس المرضى إلى تصديق قول الأطباء الحذاق ، وهذا القدر من الايمان كاف لجملة الخلق متى لم تتغير فطرتهم الأصلية ، كما لاحد صنفي الكفار من المنافقين الأشرار .
والقرآن كما يشتمل على البراهين العقلية التي يكمل بها العلماء الأحياء بالفعل - وهم أهل البرهان والكشف - كذا يشتمل على ما ينتفع 37 به من كان معتقدا قول الأنبياء والأولياء سلام اللّه عليهم بعد السماع منهم ، وهم أهل الحياة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 300
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٠٠