تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
قابلة للتقديس ، فعالة في الأجسام بالآلة ومستعملة للآلات ، ومتممة للأجسام الحيوانية والنباتية إلى وقت معلوم ، ثم إنها تاركة لها ومفارقة إياها وراجعة إلى عنصرها ومعدنها ومبدئها ومعادها كما كانت بديّا ، امّا بربح وغبطة وسرور أو بندامة وخسران وحسرة ، اما مشرقة ناضرة إلى ربها ناظرة ، أو مظلمة مكدرة منكوسة معلقة معذبة لقوله تعالى :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
[ 7 / 30 ] وقوله :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
[ 21 / 104 ] وقال سبحانه :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ 23 / 115 ] . وكفى بهذا أيها الأخ المسكين زجرا ووعيدا وتوبيخا وتهديدا ، فتذكر الموت ومفارقة الروح ان كنت من أهل الذكر والانذار متنبها من نوم الغفلة ومنبعثا من قبر الجهالة حيّا بروح المعرفة ، وأعيذك أن تكون من الذين ذمهم اللّه بقوله :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
[ 7 / 179 ] . ولما تبين ان أكثر أمور الإنسان مثنوية متضادة من جهة انه جملة مجموعة من جوهرين متبائنين حصلا من إقليمين ، صار لكل منهما حيوة يتوقف بقائها على أغذية وأشربة مخصوصة ، ولكل منهما قنية ، وصارت القنية نوعين اثنين - جسمانية كالمال ومتاع الدنيا ، وروحانية كالعلم والدين - وانما معدن العلم والدين هو الذكر الحكيم والقرآن المبين ، ولهذا قال :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
[ 36 / 69 ] اي بالحياة الروحانية الأخروية وكما أن بالمال يتمكن الإنسان من تناول اللذات - من الاكل والشرب في الحياة الدنيا - فهكذا بقوة العلم واليقين يصل إلى الأغذية والأشربة الروحانية وبالعلم يضيء النفوس وسرة ويكمل ويصح ، كما أن بالأكل والشرب ينمى