وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[ 78 / 40 ] فأشار إلى دفع هذا التمنّى ، ونفي هذا الوسواس ، وكشف فساد هذا التشهي الفاسد ، واستقباح هذا التصوف البارد بعد الأربعين .
يعني : متى لم يتيسّر لهم قبل انطماس عيونهم القلبية وانمساخ صورتهم الباطنية ادراك علم التوحيد وملاحظة عالم المعاد ، والسعي في طريق العبودية لادراك شواهد الربوبية ، فبعد زوال الاستعداد وفساد أكثر القوى والآلات ، وانتكاس الخلقة من أعلى درجة الاعتدال والاستواء إلى أدنى رتبة الاعوجاج والانحناء ، وانقلاب نور الحواس من غاية الاشتعال والذكاء إلى غاية الخمود والانطفاء ، أنّى يتصور لهم الشروع في طلب الاهتداء وسلوك سبيل اللّه بهذه القوى ، فمن مضت عليه أدوار السنين وعمّره اللّه إلى أربعين أو خمسين من غاية أشده المعنوي أخذت خلقته في الذبول والانحلال ، وقواها في الانتكاس والاضمحلال .
وذلك لان لكل أجل كتابا ولكل مدة وفصل من فصول العمر خاصية في ظهور الآثار ، فسن الطفولية لحصول أصل الخلقة وحدوث القوى ، وسنّ الشباب لاستعمال القوى والأعضاء وصرفها في سبيل اللّه وطلب الكمال ، وسن الكهولة لظهور آثار التحصيل والتثبّت بالقول الثابت والتحقق بحقائق الايمان وسن الشيخوخة لإفاضة نور المعارف على المستعدين والقيام على مسند الإفادة والإرشاد ، فالأول « قوة » ، والثاني « استعداد » ، والثالث « كمال » و « تمام » والرابع « فوق التمام » .
وهذه المراتب كما يتصور في السعادة وهو صيرورة الإنسان من جملة الملائكة ، كذا يتصور في الشقاوة وهو صيرورة الإنسان اما من جملة الشياطين - ان كان الغالب على نفسه الجربزة والمكر وطلب العلو والاستكبار - أو من جملة