الوجه الثاني : قول أصحاب الموافات وهو ان الايمان يوجب استحقاق الثواب الدائم والكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم ، والجمع بينهما محال والقول بالإحباط باطل ، فلم يبق الا أن يقال إن هذا الفرض محال ، وشرط حصول الايمان في وقت أن لا يصدر الكفر عنه بعده ، فإذا كانت الخاتمة على الكفر علمنا أن الذي يصدر عنه أولا ما كان ايمانا ، وعلى هذا شواهد أخرى طوينا ذكرها ، لأنه يؤدي إلى التطويل ، وفيما ذكرنا كفاية للمتأمل المهتدي سواء السبيل .
قوله سبحانه : [ سورة يس ( 36 ) : آية 68 ]
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 )
قرئ « ننكسه » من « التنكيس » و « ننكسه » من « الانكاس » وقرئ « ا فلا تعقلون » بالتاء والياء .
وفي الآية إشارة إلى أن الإنسان كلما أمعن في السنّ نكس قواه البهيميّة والسبعية ، وأخذت البنية في الذبول والخلقة في النقصان ، وشرعت الصفات الهيئات الباطنية في التأكد والرسوخ ، وابتدأت أحوال الضمائر والبواطن في الانكشاف والظهور وقد جاء أشراط الساعة للقيامة الصغرى ، وبرز علامات السعادة والشقاوة لذوي البصائر العقلية ، أفلا تعقلون أيها العاقلون .
أو ما تستحيون من استبطائكم هجوم الموت اقتداءا برعاع الغافلين الذين لا ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصّمون ، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ، فتأتيهم الأمراض نذيرا من الموت فلا ينزجرون ، ويأتيهم الشيب رسولا منه فلا يعتبرون ، فيا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول الا كانوا به يستهزئون ! .