تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
أنواع البهائم والسباع - ان كان الغالب على نفسه طلب الشهوة والغضب والصفات المشعّبة عن هاتين الصفتين - فيحشر على صورة حيوان غلبت على جوهر ذاته صفات ذلك الحيوان كما مر مرارا . وعلى أي تقدير إذا استحكم الباطن وقويت النفس وخرجت من حد القوة إلى حد الفعلية في أي صفة وجودية وصورة باطنية توجهت النفس توجها فطريا إلى عالم الآخرة ، وأعرضت عن استعمال القوى ، فأخذت الخلقة في الانتكاس ، والأعضاء في الاندراس شيئا فشيئا إلى أن يحلّ الأجل .

اشاره أخرى

لما كانت النفس في أول الخلقة ممنوة بتدبير البدن وتحصيل مقدار المادة لان المادة الحاصلة بالتوليد من فضل خلقة الوالد لم يكن أولا على مقدار لائق بحال الشخص المولود ، فلا محالة وجب على النفس مما أودعه اللّه فيها وغرز في جبلتها أن يشتغل أولا بإكمال المادة قبل الاشتغال بكمالها ، لتوقف كمالها على استعمالها إياها ، فاستكمل أولا صورتها الحسية ، واشتعل أنوار حواسها الظاهرة ، وبلغ أشدها الصوري ، وهو وقت نكاحها الجسماني . ألا ترى أن الطبيعة من وقت الطفولية إلى هذا الحد لا يفرغ عن تحصيل المادة وإيراد ما يزداد في الأقطار زائدا على البدل المتحلل من البدن ، لضعف الأعضاء ونقصان القوى وشدة الحاجة إلى النمو والتصلب ، فانغمست عند ذلك في البدن ، مستعملة للطبيعة في ذلك ، فلم ينفتح بصيرتها ولم يشتغل نور فطرتها ولم يتبيّن رشدها الا وقت بلوغ أشدها المعنوي - وهو سن الأربعين - كما أشير اليه بقوله تعالى :
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ
[ 46 / 15 ] .