تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
هوى نفسها كما ورد في الحديث : « يشيب بن آدم ، ويشبّ فيه خصلتان الحرص وطول الأمل » « 1 » . فقوله :
« وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ »
اشعار على أن من لم يتوجه إلى طلب الآخرة ولم يسلك صراط اللّه العزيز الحميد بصرف الآلات حين أشدها الصوري في طلب الحقائق والكمالات ، بل سلك سبيل الطاغوت في الانهماك إلى اللذات وصرفها في طلب الهوى والشهوات ، فإذا تجاوز عمره حد الأربعين وأخذ خلقتا بدنه وأعضائه في الانتكاس والذبول ، وشرعت قواه في النقصان ، حان وقت ظهور النتائج عن مكامن غيب القلب ، وآن زمان استضائة مشكاة القلب بنور معرفة اللّه من مصباح الروح ، إذ توقد فتيلة النفس من شرارة نار الهوى الكامنة في الطبيعة المنطفية قبل ذلك بالرطوبات الغريزية ، واحتطب المواد الشهوية ، وانما خرجت من القوة إلى الفعل بكثرة النفاخات الشهوية والغضبية فإن لم يترسخ في القلب حب المعرفة وطلب الآخرة ورفض البدن وترك اللذة والزهد في الدنيا ، فلا يتصور بعد هذا استيناف طريق الآخرة ، وابتداء نشو المعرفة عند بطلان الحواس وفقد الآلات ، وقد قيل : « من فقد حسا فقد علما » والعود إلى الفطرة الأصلية بعد عدمها ، وقد قيل : « المعدوم لا يعاد » . وقوله :
« أَ فَلا يَعْقِلُونَ »
يحتمل أن يكون معناه : أفلا تتدبرون في أن من قدر على كسر القوى الجسمانية للإنسان وأضعاف بنيته وأعضائه بالذبول والتحليل مع بقاء نفسه وذاته وتأكد صفاتها وأخلاقها وزيادة هيئاتها النفسانية ودواعيها الباطنية ، فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية وبعثها ، فان تلك الأمور من علامات وقوع الساعة ومقدماتها وأشراطها ، كما يعرفه أهل الكشف واليقين - ان في هذا لبلاغا لقوم عالمين .
هامش
( 1 ) - جاء بلفظ آخر في الخصال باب الاثنين : 1 / 73 .