نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ 7 / 12 ] يعني : النار علوية نورانية لطيفة ، والطين سفلي ظلمانيّ كثيف ، فهي خير منه ، فأخطأ اللعين في الجواب ، وفي الاستدلال ، والقياس من وجوه :
وقد قررنا خطائه في الجواب واما في القياس : فأحد الوجوه انا لو سلمنا ان النار أفضل وأشرف وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة ، لكن من حيث الحقيقة والغاية الطين أفضل وأشرف ، لان من خواص الطين الانبات والنشو والنمو ، ولهذا السر كان يعلق الروح به ليصير قابلا للترقي ، والنار من خاصيتها الإحراق والافناء .
كه آدم را ز ظلمت صد مدد شد * ز نور إبليس ملعون ابد شد
وثانيها : ان في الطين لزوبة وإمساكا ، فإذا استفاد الروح منه بالتربية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي ، إذ لم يكن ممسكا في عالم الأرواح ، ولهذا السر كان آدم مسجودا للملائكة ، وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضدّ الإمساك .
وثالثها : انه مركب من الماء والتراب ، والماء مطيّة الحياة لقوله تعالى : ومن الماء كل شيء حي ، والتراب مطيّة النفس النباتية وإذا امتزجا يتولد النفس الحيوانية ، وهي الروح الحيواني وهو مطية الروح الانسانية للمناسبة الروحية بينهما ، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد .
هذا مع أن شرف مسجودية آدم وفضيلته على ساجديه لم يكن بمجرد خواصه الطينية التي هي جهة القبول والصلاحية ، - وان تشرفت طينته بشرف التخمير من غير واسطة لقوله تعالى :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ 38 / 75 ]
وكقوله صلى اللّه عليه وآله : « خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحا »
- وانما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح المشرف بالإضافة إلى الحضرة