واما الثاني : ان المتأخر إذا وقع صار ناجزا ، ويذكر نفسه انه أبدا في دنياه بتعب في الحال لخوف أمر في الاستقبال ، وهذا ألمه ليس أقل من ألم الصبر عن المعاصي .
وأما في الثالث : فبأن أكثر صياح أهل النار وحسراتهم وزفراتهم من التسويف لان المسوف بنى الامر على ما ليس اليه وهو البقاء ولعله لا يبقى ، وان بقي فلا يقدر على الترك غدا ، كما لا يقدر عليه اليوم ، ثم ليت شعري هل عجز في الحال الا لغلبة الشهوة ، والشهوات لا تتفارق بالإصرار ، بل تتضاعف سورتها وتترسّخ أصلها بالتكرار وتتأكد خلقها بالاعتياد ، وما مثال المسوف الأمثال من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا ينقطع الا بمشقة شديدة ، قال « أؤخرها سنة ثم أعود عليها » فلا حماقة أعظم من حماقتها .
واما الرابع : فعلاجه بأن يتفكر في حال من يمكّن العدو على نهب جميع أمواله ، ويترك نفسه وعياله فقيرا مستنظرا من فضل اللّه ، راجيا أن يرزقه العثور على كنز في أرض خربة ، فأن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان ، واللّه قادر عليه ، الا ان هذا الرجل مما يحكم عليه كل عاقل بأنه في غاية الحماقة .
واما الخامس : فعلاجه التأمل في أسباب المعرفة بصدق الرسل ، وذلك أيضا ركن عظيم من أركان حكمة اللّه ومعرفته ، وأكثر الناس غافلون عنه ، ذاهلون عن معرفة ماهية الرسالة وحقيقة الرسول بل أكثرهم مستهزئون بالأنبياء باطنا ، وان أقروا بالرسالة لسانا وقولا ، كما مر من قوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
[ 15 / 11 ] وأكثرهم معرضون عن آيات اللّه فهما ودراية ، وان تلوها قراءة ودراسة :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
[ 12 / 105 ]