تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
فقد رجع الامر في مجاهدة النفس والشيطان كله إلى تحصيل المعارف الإلهية والعلوم الربانية ، ثم المصابرة عليها بترك اللذات والتقوى عن المحارم والسيئات ، لقوله تعالى :
إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
[ 7 / 27 ] وقوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
[ 2 / 257 ] فإذا تنوّر الباطن بنور المعرفة والإيقان ، وتطهر القلب بطهارة الورع ، زالت عنه نجاسة الشرك والكفر ، فيسرى أثره في جميع القوى والجنود والأحزاب ، فيصير كلها مسلمة متوافقة متعاضدة متظافرة في سبيل اللّه والسفر اليه ، وكل منها ينقلب إلى أهله مسرورا . وكما أن في الظاهر إذا أسلم مشرك يزول عنه النجاسة وعن جميع بدنه وأعضائه وملبوساته وما يلتصق به ، فكذلك إذا حل معنى التوحيد الحقيقي في القلب وتقرر فيه المعارف الايمانية باللّه واليوم الآخر والملائكة والنبيين ، وصدق بكلماته وآمن بكتب اللّه المنزلة على رسله وأوليائه عليهم السلام تنورت القوى كلها بأشعة نور الايمان الحقيقي ، وتطهرت الجنود كلها من رجس الشرك الخفي ونجاسة الجهالة الشيطانية والكفر الوهمي ، فصارت النفس روحا ، والوهم عقلا ، والسفسطة برهانا ، والشهوة شوقا إلى العبودية ، والغضب عزما على الطاعة ، واللذة محبة ، والحسد غيرة ، والقنوط رجاء ، والكفران شكرا ، والحرص توكلا ، والقسوة رأفة ، والحمق فهما ، والتهتك عفة ، والكبر تواضعا والسفه علما ، والهذر صمتا ، والاستكبار استسلاما ، وبالجملة جميع أجناد الشيطان يصير من توابع الملك وجنود الرحمان ، وهكذا جميع أفراسه ورواحله وشركه وحبائله ومنازله ومواضعه تصير متعلقة بحزب اللّه ، والملكة مسخرة لخليفة اللّه في أرض الباطن ، وأهلها ساجدة له خاضعة إياه ، مطيعة لأوامره ونواهيه قائلة كلهم بألسنة أحوالهم :
تفسير القرآن الكريم — صفحة 255 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )