فاعتقد لذاته « انها عين الحق » وبادر وقال : « انه فيها » « فأنا الحق » و « سبحاني ما أعظم شأني ، فقد تدرع باللاهوت ناسوتي » الا أن يثبته اللّه بالقول الثابت في الدنيا والآخرة ، فيعرف أن الصورة الإلهية ليست في مرآة ذاته ، بل تجلت فيها وما حلّت فيها ، بل ظهرت منها ، ولو حلت لما تصور أن تتجلى صورة واحدة لمرائي كثيرة في حالة واحدة ، بل كانت بحيث إذا حلت في مرآة واحدة ارتحلت عن الأخرى .
وهيهات ! فان اللّه لا يتجلى لجملة من العارفين دفعة واحدة ، وان كان في بعض المجالي أظهر وأصح وأقوم وأوضح ، وفي بعضها أخفى وأكتم وأبهم وأميل إلى الاعوجاج عن الاستقامة ، وذلك لتفاوت المرائي في الصقالة والصفاء وصحة الاستدارة والاستواء ، في رفع الحجب عن بسيط وجهها كلا أو بعضا .
فافهم جدا واغتنم وتنبّه لما قيل « ان نور إبليس من نار العزة » لقوله تعالى حكاية عنه :
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ
[ 7 / 12 ] ولو أظهر نوره للخلق لعبدوه
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
[ 16 / 100 ] .
وكم من سالك بلغ إلى هذا المقام الذي هو آخر الاقدام في السفر الأول فوقع في الكفر الأكبر ، وضل وغوى ، وهلك وهوى في الجحيم السفلى والحطمة الكبرى
نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ
[ 104 / 7 ] .
والموحد إذا جاوز عن هذه المزلقة المهوية ، وارتفع عن هذه المرتبة يقول :
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ 6 / 79 ] بعد ما وقع مروره على ملكوت السماوات والأرض ، وعبوره على الدرجات العلى من ملكوت ربه الأعلى ، لقوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
[ 6 / 75 ] .
وفي قوله : « ليكون » إشارة إلى أن السالك لا بد له من أن ينظر أولا في حقائق