تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
واما الكفر الثاني الذي يتعلق بالنفس : فلان معبودها الهوى ، وهو الصنم الأكبر المشار اليه في قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ 45 / 23 ] وفي الحديث المروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله : « أبغض اله عبد في الأرض الهوى » « 1 » ولعل دعاء إبراهيم - على نبينا وآله وعليه السلام - فيما حكاه اللّه عنه بقوله :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
مشير إلى هذه الأصنام النفسانية التي عبدتها الخلائق من الهوى الكائن في باطن كل أحد ، وقلّ من العباد من اجتنب عن عبادته ، والا فمثل الخليل وبنيه عليهم السلام كانوا أجل شأنا وأعظم مكانا وأقدس طهارة من أن يتصور في حقهم عبادة الأصنام الحجرية والمدرية . ولو سئلت الحق فما عبد عباد الأصنام الا ما حضر عند نفوسهم من صورة الهوى والأوهام ، لان عابد الصنم الحجري انما يعبده بظن الإلهية له ، وتصور الربوبية فيه ، والا فالأجسام متشاركة ، فيجب أن لا يكون عنده فرق بين صنمه وغيره من الأجسام ، فيلزم عليه أن يعبد كل جسم كان ويكون في العالم - وحينئذ - فلم يبق فرق يعتد به في الواقع وعند أهل الآخرة بين الكفار وعبادتهم المعروفة للصنم ، وبين أرباب العقائد الجزئية في حق اللّه وأصحاب المذاهب الجاهلية سوى الموحدين بالحقيقة ، فجميعهم من أهل الهوى والطاغوت ، وعبدة الوهم والجهالات وأتباع النفس في الشهوات . وكذا لا فرق بين نحت الأصنام باليد الجسمانية للعبودية وبين إنشاء الوهم الصور الوهمية بقوته المتصرفة ، لينال بها الوصول إلى البغية الشهوية واللذة الدنيوية .
هامش
( 1 ) - جاء ما يقرب منه في الدر المنثور : 5 / 73 .