تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
إذ يتصاعد إلى القلب دخان مظلم من الهوى ، يملأ جوانبه ويطفي سراج العقل ويصير البصيرة الباطنة كالعين التي ملاء الدخان أجفانها ، فلا يقدر أن يرى الأشياء كما هي . وهكذا تفعل غلبة الشهوة وحب الجاه وطلب الرياسة بالإنسان ، ولو بصرّه أحد بعيوب نفسه بالوعظ والنصيحة ، ويوقظه من هذا النوم الغالب عليه ، وينبهه من هذه الغفلة المحيطة به ، ويستفيقه من هذا الشراب الذي أسكره ، ويسمعه ما هو الحق الصريح ، عمى عن الفهم وصم عن السمع ، كما أشير اليه بقوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ 2 / 171 ] وهاج شهوته وطغى غضبه وصال عليه كالسبع الضاري والكلب العقور ، وتحركت جوارحه على وفق الهوى ، واشتد مرضه المزمن ، واشتعل نار غيظه الخامد ، وانتشر دمه الفاسد في ظواهر جلده الجامد ، ومتكلما بحديثه البارد في تخطئه هذا الناصح الفقير بصوته النكير ، طلبا للانتقام وتشفّيا في حقده بالاقتحام ، فظهرت المعصية عنه في عالم الشهادة من خزائن الغيب بقضاء اللّه وقدره . وإلى مثل هذا القلب أشار تعالى بقوله :
« أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »
- إلى قوله -
بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[ 25 / 43 - 44 ] وبقوله
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
- إلى قوله - :
أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ 36 / 7 - 10 ] ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات دون بعض . اعلم أن كلا من هاتين الطائفتين مشعوف بما عنده ، مغرور بما لديه ، فرحان بما يجري على يديه
« كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ »
فكما أن المحق مشعوف بما لديه من الحقائق والإلهامات والبراهين النيّرة الواضحة والمعارف الحقة الدائمة ، فكذا المبطل مسرور بما عليه من الوساوس المتبدلة والوهميات