التفكر في عواقب الأمور والنظر في مقدماتها ، ويطلع على أسرار الخيرات والطاعات ، وينكشف له بنور البصيرة جهة الخيرية فيها ، فيحكم عقله بأنه لا بد من فعلها وترك أضدادها من المعاصي ، فيدعوه إلى العمل الخير وينهى نفسه عن العمل الشر ، فينظر الملك الهادي والمعلم للحقائق إلى قلبه - اي نفسه الناطقة فيجده طيّبا بجوهره ، طاهرا بتقواه ، مستنيرا بضياء العقل ، فأفاض عليه أنوار المعرفة والهدى ، وأيّده بجنود لا ترى ، ويهديه إلى خيرات أخرى ، والهامات تترى ، حتى ينجر الخير إلى الخير ويحشر النور إلى النور .
وفي مثل هذه اللطيفة الربانية يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا يخفى فيه الشرك الخفي ، الذي هو « أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء » ولا يؤثر فيه شيء من مكائد الشيطان ، بل يقف على على باب قلبه ويوحي زخرف القول غرورا ، وهو لا يلتفت إلى مكره ويتوجه إلى اللّه وذكره ، وإلى مثله الإشارة في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
[ 7 - 201 ] .
وثانيها : قلب مخذول مشحون بالهوى ، ومقهور الشهوات ، مفتوح عليه أبواب الشياطين ، مغلق عليه أبواب الملائكة ، ومبدأ الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويحبس فيه صورة من الشهوة ، فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتى منه ، وهو قد ألف خدمة الهوى فآنس به ، واستمر على مساعدة الهوى واستنباط وجوه الحيل في جواب فتواه ، فيشير إلى قوله ، فينشرح الصدر بالهوى ، وينبسط فيه ظلماته لانحباس نور العلم عنه ، وانقهار جند العقل عن مدافعة الوهم ، فيقوى سلطان الشيطان لاتّساع مكانه بسبب انتشار الهوى ، فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني ، ويوحى بذلك زخرفا من القول غرورا فيضعف سلطنة البرهان على خوف القيامة ، ويحجب نور الايمان بالوعد والوعيد ،