حزب اللّه وحزب الشيطان .
ثم انك قد علمت أن هذه الخواطر حادثة لما أشرنا اليه ، وكل حادث لا بد له من سبب ، ومهما اختلف المعلولات دل اختلافها على اختلاف العلل ، وكما أن اتفاقها في أصل الإمكان دل على افتقارها إلى قيّوم واحد وجوده كوحدته عين ذاته ، فكذلك اختلافها يحتاج إلى أسباب مختلفة متوسطة بينها وبين مسبب الأسباب ، وهذا مع قطع النظر عن الانظار البرهانية معروف في سنة اللّه تعالى وعادته في ترتيب المسببات على الأسباب ، فمهما استنار مثلا حيطان البيت وأظلم سقفه واسودّ بالدخان ، علمت أن سبب الاسوداد غير سبب الاستنارة ، فحكمت بأن سبب الاستنارة نور النور ، وسبب الاستظلام ظلمة الدخان .
كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان : فسبب الخواطر الداعي إلى الخير في عرف الشريعة يسمى « ملكا » وسبب الخواطر الداعي إلى الشر يسمى « شيطانا » واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول الهام الملك يسمى « توفيقا » والذي به يتهيأ لقبول وسوسة الشيطان يسمى « اغواءا » و « خذلانا » فان المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة .
وقد مر في الأصل الرابع بيان ماهية الملك والشيطان ، وأن أحدهما عبارة عن خلق شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم ، وكشف الحق والوعد بالمعروف ، وقد خلقه اللّه وسخّره لذلك . والاخر عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك ، وهو الوعد بالشر والتخويف كما دلت عليه الآية المنقولة ، وقوله تعالى :
الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ 35 / 6 ] وهما جوهران مسخّران لقدرته في تقليب القلوب ، كما أن لك أصابع مسخرة لقدرتك في تقليب الأجسام ، كما دل عليه الحديث المنقول ، فإنه يتعالى أن يكون له إصبع جسماني مركب من لحم وعظم ودم منقسم بالأنامل ، ولكن