صرفا متولدا من طبقة دخانية نارية يغلب عليها الشرارة والإغواء والإضلال ، وتكون مدركاته من باب الأوهام الكاذبة والأقيسة الداحضة ، وتكون له سلطنة بحسب الطبع على الأجسام الدخانية والبخارية وقواها ونفوسها الجزئية وطبائعها فيطيعها تلك النفوس والقوي لمناسبة النقص والخسّة ، ويكون المسمى ب « إبليس » الوارد في الكتب الإلهية وألسنة الأنبياء ، هو هذا الشرير المغوي المضل ، وكونه مجبولا على الإغواء والإفساد وادعاء الاستكبار والعلو ، كما يستفاد من قوله تعالى :
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
[ 38 / 75 ] انما هو بمقتضى طبعه الغالب عليه النارية الموجبة للاهلاك ، والعلو المكاني الموهم لعلو المكانة والمنزلة .
وأما وجه تأثيره في نفوس الآدميين بالشر أما من جانب المؤثر فللطافته وسرعة نفوذه في عروقهم ودمائهم التي هي محال الشعور والاعتقادات ، واقتداره على اغوائهم بالوسوسة والتخيلات ، وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي ودمه ، فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه ودمه ، ويحيط بالقلب الذي هو منبع الدم المركب للروح البخاري ، الحامل للقوى الوهمية والشهوية والغضبية ، ولذلك
ورد في الحديث النبوي : « ان الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم » « 1 » .
وكما لا يتصور أن ينفك آدمي من وسواس ، فلا يتصور أن ينفك من شيطان ولذلك
قال صلّى اللّه عليه وآله : « ما من أحد الا وله شيطان » « 2 » .
وهذه الشياطين الجزئية من فروعات ذلك الموجود الشرير الذي ذكرنا كما أن العقول الجزئية الانسانية من آثار الملك الملهم بالخيرات .
هامش
( 1 ) - دارمى 2 / 320 . المسند : 3 / 156 و 285 و 309 .
( 2 ) مسلم : صفة القيامة ، 17 / 157 .