مكاشفة برهانية
قد سبقت الإشارة إلى أن الإنسان إذا مات عن الدنيا ولذاتها ، وصفت نفسه عن درن الشهوات ، وتنورت بأنوار العبودية والطاعة ، وتخلّقت بأخلاق اللّه ، وبلغت مقام الفناء في التوحيد ، فحشر إلى ربه وتسرمد بسرمديته ، ونفذ حكمه في العالم على حسب التابعية ومقام الرضا ، واستشرق ذاته اللطيفة الصافية باشراق نور المحبة في أرجائها ، فتكرم بكرامة التكوين والإيجاد ، فتسخر له ما في الملك والملكوت ، ويسمع دعاؤه ودعوته في عالم الجبروت ، لكونه وليد القدس وخليفة اللّه في أرضه ، ويكون ممن أمر اللّه سبحانه بواطن الملكوت والروحانيين وعباده المسبحين بأن يسجدوا له كلهم ، بقوله :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
[ 2 / 34 ] ويكون ممن يطيع له الملكوت ويسجدون له كما سجد الملائكة كلهم لأبيه آدم حين أمرهم اللّه بسجوده ، كما في قوله تعالى :
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
[ 38 / 71 - 72 ] وهاهنا يظهر سر ما
ورد في الحديث عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم « ان العالم يستغفر له من في السماء ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر » « 1 » .
وبالجملة الإنسان إذا انخرط في سلك المقربين يصير نفس تصوره لكل ما يتمناه نفس وجود ذلك الشيء في العين ، كما أن قبل ذلك يعم لكل أحد إذا تصور شيئا وتمنّاه خضع له في عالم توهمه ، ويكون نفس تصوره لشيء وجودا خياليا ذهنيا له ، فلكل أحد هاهنا ما يشتهى نفسه في خياله وضميره ، الا ان ضميره وباطنه في غاية القصور ، وارادته وهمّته في غاية الضعف ، فيكون للأشياء
هامش
( 1 ) - ترمذى : كتاب العلم الباب 19 : 5 / 49 .