من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور .
وأما من تصوّر كيفية الدار الآخرة وتحقق أمر المعاد وعرف فضلها وشرفها وسرور أهلها ولذات السعداء ونعيمهم وملكهم ، فأي عذر له في التمني للخلود في الدنيا والإخلاد إلى الأرض وطلب الرفعة والرياسة فيها الا خللا وسفها في عقله أو فسادا في اعتقاده وإيمانه ، كأكثر من نراه من المنتسبين إلى الايمان ،
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
[ 12 / 106 ] .
حكمة قرآنية
هذه الآية ونظائرها كقوله :
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ 27 / 90 ] وقوله :
لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى
[ 53 / 40 ] وقوله :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً
[ 3 / 30 ] وغيرها نصوص جليّة وبراهين واضحة على أن الثواب والعقاب في دار الآخرة انما يكونان بنفس الاعمال والأخلاق الحسنة والسيئة لا بشيء آخر يترتب عليها ، فالملذ والمؤلم ، والنعمة والنقمة ، والجنة والنار في دار القرار هي نفس صور الاعمال والآثار ، كما دل عليه
قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « انما هي أعمالكم ترد عليكم »
و
قوله : « ان الجنة قيعان وان غراسها سبحان اللّه »
« 1 » وكذا قوله تعالى
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
[ 29 / 54 ] وقد مر تحقيق هذا المطلب في سلف القول .
فالعقوبات الإلهية الواصلة إلى المجرمين كما انها ليست من باب الانتقام الواقع عليهم من منتقم منفصل مبائن يوقع الآلام والشدائد عليهم ، ويوصل المكاره والمحن إليهم ، فكذلك ليست الآلام والمكاره أمورا خارجة عن ذاتهم
هامش
( 1 ) - الترمذي . كتاب الدعوات ، الباب 59 : 5 / 510 .