الشيطان ، لأنهما ظلمانيتان بجوهريهما ، حاصلتان من سنخ الطبيعة النارية الكدرة الدخانية من عالم الاجرام السفلية ، وأن أصحاب الجنة بالأصالة هي الروح والملائكة 25 ، لأنهما نورانيتان بجوهرهما ، حاصلتان من سنخ الحقيقة النورية اللطيفة من عالم الأنوار العلوية .
وأما القلب الانساني فهو ذو وجهين : وجه إلى النفس ووجه إلى الروح ، انما ينقلب إلى أحد من هذين القبيلين بمزاولة أحوال ( أعمال - ن ) تناسبه ، فيصير اما من أصحاب الجنة - وهم أصحاب اليمين - واما من أصحاب النار - وهم أصحاب الشمال - . والجنة موطن أهل السعادة ومصعدهم في جهة العلو ، كما أن النار موطن أهل الشقاوة ومهبطهم في جهة السفل .
والتنكير في قوله : « في شغل » مشعر بأن شغلهم شغل لا يوصف بحد من جهة المشغول فيه والمشغول عنه جميعا :
أما المشغول فيه فما ظنك بشغل من وصل إلى دار الكرامة ومنزل المصطفين الأبرار ومنبع الخيرات الحسان ، فاز بالنعيم الدائم ووصل إلى الحق القائم ووقع في ملاذ وسعادات لا يكتنه وصفها ولا يحاط بنعمتها ، مع كرامة وتعظيم وشرف مقيم .
وأما المشغول عنه فما ظنك بشغل من تخلّص من هموم الدنيا وأحزانها وأمراضها وآلامها ، وهجوم آفاتها وأهوالها من مشاق التكليف ومضائق التقوى والخشية ، ومرارة الصبر طول العمر عن اللذات والمرغوبات ، وتخطى الأهوال والاخطار والموت عن مأنوساتها بالاختيار والاضطرار ، ومفارقة الأحبة والاخوان ومهاجرة الأولاد والاقران ، ومقاسات المحن من الحساد والأعداء ومشاهدة أوضاع الفجرة والفسّاق ، وسوء عقائدهم وقبح أعمالهم وغدرهم ومكرهم ، وترفّع حال الجهّال وتصدر الأرذال - إلى غير ذلك من مكاره هذه
تفسير القرآن الكريم — صفحة 189
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٨٩