فقال : كيف حال من يصبح في دار غربة أسيرا وفقيرا لا يقدر على جرّ منفعة ولا يرجو دفع مضرة ؟ قال أخوه : كيف ذلك ؟
قال : لانّا قد أصبحنا في الدنيا معذبين في صورة المنعمين ، مجبورين في صورة المختارين ، مغرورين في صورة المغبوطين ، أحرارا كراما في صورة عبيد مهانين ، مسلط علينا خمسة حكام يسوموننا سوء العذاب ، ينفذون علينا أحكامهم شئنا أو أبينا .
قال له أخوه : أخبرني من هؤلاء الحكام ؟
قال نعم : أولهم هذا الفلك الدوار الذي نحن في جوفه محبوسين ، وكواكبه هذه السيّارة التي لا تزال تدور علينا لا تهدأ ولا تسكن ، تارة تجيئنا بالليل وظلمته ، وتارة بالنهار وهاجرته وتارة بالصيف وحرارته ، وتارة بالشتاء وبرودته ، وتارة بالرياح العاصفة ، وتارة بالغيوم الغاشية والأمطار والبروق الخاطفة ، وتارة بالصواعق الزاجرة والزلازل المهلكة والأخاويف الموحشة والخسوفات والكسوفات والعلامات المظلمة ، وتارة بالجدب والغلاء ، وتارة بالموتان والوباء ، وتارة بالحروب والفتن والبلاء ، وتارة بالهموم والأحزان ليس منها خلاص ، ولا من سهامها مناص الا بالموت .
وأما الاخر فهو هذه الطبيعة وأمورها المركوزة في الجبلّة - من حرارة الجوع ، ولهب العطش ، ونار الشبق ، وحريق الشهوات ، والآلام والأمراض والأسقام ، وكثرة الحاجات ، ليس لها شغل الا طلب الحيلة لجر منفعة أو لدفع مضرة عن هذه الأجساد المستحيلة التي لا تقف على حالة واحدة طرفة عين ، فنفوسنا في جهد وبلاء وكد وعناء وبؤس وشقاء ليس لنا راحة منها الا بالممات - فهذا اثنان .
واما الثالث فهو هذا الناموس الأكبر وأحكامه وحدوده ، وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده وزجره وتهديده وتوبيخه ، وألم الجوع عند الصيام وتعب الأبدان
تفسير القرآن الكريم — صفحة 185
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٨٥