بصيرة قلبية
ان قوله تعالى :
« فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً »
مما يشعر بانحصار تحقق الظلم والشرفي هذه الدنيا الفانية ، وأما الواصل إلى الأشقياء من عذاب النار وشدائدها فإنما هي نتيجة أعمالهم في الدنيا وظلمهم على نفوسهم فيها لقوله تعالى :
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ 16 / 33 ] اي بما سبق منهم في الدنيا وليس يتصور ظلم مستأنف في الآخرة على أنفسهم ولا على غيرهم .
والسبب اللمي لاختصاص وقوع الظلم والشرفي الدنيا دون الآخرة مع أن الاله والمؤثر فيهما جميعا واحد حق يفعل ما يشاء ويختار ما يريد من غير مدافع أو مشارك - هو ما وقعت الإشارة اليه من أنها « دار الحركات والاستعدادات » لأنها واقعة في آخر الدرجات من الوجود ، في أسفل الدركات من مراتب الخير والجود ، وبعد مرتبتها في النزول والخسة ليس الا العدم المحض والبطلان بل وجودها في مرتبة العدم .
الا أنها بحسب سنخها وجوهرها الهيولي مما لها قوة وجود أشياء كثيرة ، ولها استعداد للصور الحسية والنفسية والروحانية ، بحسب امتزاجات وقعت بين عناصرها المتضادة التي كل منها لا يتحرك عن مواضعها الطبيعية الا بأسباب سماوية منبعثة لأغراض علوية ، ومقاصد عقلية مترتبة على أشواقها الكلية وحركاتها الدورية حسب قضاء اللّه ومشيّة المقتضية نشو الكائنات من الحيوان والنبات بعناصرها المتضادة وموادها المتفاسدة .
ثم لما كان نوع الإنسان أشرف أنواع الحيوان ، وكان له استعداد الارتقاء إلى رتبة الشرف والكمال ، واحتمال البقاء والدوام في نشأة أخرى هي نشأة التمام ويوم قيام الخلائق بين يدي الحق العلام ، ولا يمكن استكماله إلى هذه