تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
المتضادات والأركان المتفاسدات الموجبة للتغالب والتفاسد في الموجودات المتغيرة الأحوال ، المتخالفة الاغراض والآمال . وأما الدار الآخرة فالمؤثر هناك أسباب عالية بإذن ربهم ، وعمال مؤتمرة بأمر موجدهم ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، والمتأثر نفوس وأرواح انسانية بحسب ضمائرهم ونياتهم مجردة عن الأغشية واللبوسات ووساوس النفس وسوء العادات . وبالجملة الظلم إذا وقع فإنما يقع من الشخص على نفسه أو من غيره عليه وكلاهما مستحيلان يوم الآخرة . أما استحالة الثاني فيه : فان المؤثر في الشيء هناك ليس الا ما هو علة ذاتية لذلك الشيء ، لارتفاع الأسباب العرضية والمبادي القسرية ، وعدم تزاحم الأمور وتصادم الأسباب الاتفاقية وتضايق الوجود فيه ، والعلة الذاتية للشيء مقوم لوجوده ومحصل لذاته وملائم لطبعه
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
[ 18 / 49 ] . واما استحالة الشق الأول فلان ما يصل إلى أحد في الدار الآخرة ليس إلا حاصل ما فعله في الدنيا ، لأنها دار الثواب والجزاء بلا عمل ، كما أن الدنيا دار العمل بلا جزاء فان وقع ظلم من أحد على نفسه فقد وقع في الدنيا لا في العقبي ، ولهذا قال بعض الكبراء : « ليس الخوف من سوء العاقبة انما الخوف من سوء السابقة » « الشقي شقي في بطن أمه » « 1 » اي في الدنيا . فقد ثبت قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
اي لا ينقص من له حق من حقه من الثواب ، ولا يفعل به الا بما يستحقه من العقاب ، إذ الأمور جارية على مقتضى الحق والحساب ، معمولة على قانون العدالة والصواب ، وذلك قوله تعالى :
وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
.
هامش
( 1 ) - التوحيد : 356 عن النبي ( ص ) : الشقي من شقى . . .