وتحقيق ذلك أن الموجودات الدنياوية لها أكوان ناقصة ، لأنها من حيث كونها الدنياوي أمور مادية وموجودات تعلقية ، لان جواهرها المفتقرة إلى مواضعها كالاعراض المفتقرة إلى موضوعاتها فهي لنقص تكونها وضعف وجودها وتغيرها وانقلابها من صورة إلى صورة ، وانتقالها من حال إلى حال ، تحتاج كالأطفال والصبيان إلى قابلة كالزمان ومهد كالمكان ، وقد سبق منا أن المتحرك من حيث كونه متحركا كالحركة في كونه غير قار الذات ، وكذا الزماني كالزمان ، والمكاني كالمكان ، وكل واحد من الزمان والمكان من الأمور الضعيفة الوجود ، لان وجود كل جزء من كل منهما يقتضى عدم الجزء الآخر ، وحضور كل جزء يقتضى غيبة الجزء الآخر .
واما وجود الآخرة فهو الكون التام ، وموجوداتها أكوان دائمة ثابتة مستقلة ، فيزول التغير عن المتغير ، والزوال عن الزائل ، والغيبة عن الغائب ، فيتصف المتغير هناك بالثابت ، والغائب بالحاضر ، لان الآخرة دار الحقائق ، ولكل شيء حقيقة ثابتة ، فلزمان الآخرة خاصية البقاء والثبات ، ولمكانها خاصية الحضور والجمعية
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ
[ 64 / 9 ] لكن إذا أريد أن يخبر عنهما للمحبوسين في حبس الزمان ، والمسجونين في سجن المكان يعبر عنهما بأمثلة زمانية أو مكانية . فعبر عن حقيقة الزمان بأقل زمان لان الموجود من الزمان عند الجمهور ليس الا ما يسمونه « آنا » فقيل :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
[ 16 / 77 ] . وإذا أشير إلى مكان الآخرة وحقيقة المكان عبّر عنهما بأوسع مكان ، لان المكان شأنه السعة والإحاطة ويتحدد بأوسع الأجسام ، فقيل :
جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
[ 3 / 133 ] .
وكذلك يعبر عن زمان القيامة ب « الساعة » وعن مكانها ب « الساهرة » فيكون الخلائق مجموعين حاضرين في محشر واحد في ساعة واحدة ، فكما أن يوم