القيامة يجمع فيها الناس كلهم من الأزل إلى الأبد ، فكذلك جميع أمكنتهم وأزمنتهم .
فوجه الأرض بمساحته المعيّنة التي عند المهندسين هاهنا يصير يوم القيامة انبساطه وتماديه بحسب تمادى الأزمنة المارة عليه ، فان وجه الأرض في كل لحظة وساعة غيره في لحظة وساعة أخرى ، ووجه الأرض باعتبار محليّته لوقوع خلائق عليها غيره باعتبار محليته لوقوع خلائق أخرى ، فإذا اجتمعت يوم القيامة الخلائق الواقعة في القرون والدهور الماضية والمستقبلة ، اجتمعت بحسبها وجوه الأرض التي كانت الخلائق جميعا فيها من ابتداء الدنيا إلى انتهائها في كل قرن ودهر ، فيكون وجه الأرض يومئذ بمقدار يسع فيه أهل المحشر كلهم .
ومن هاهنا يزول الاستبعاد ويندفع استنكار أهل الجحود والعناد ، وينحل شبهة المنكرين للمعاد في حضور الخلائق كلهم ، السابقين واللاحقين في صعيد واحد ، لعدم تصورهم أرض القيامة التي هي بوجه غير أرض الدنيا :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ 14 / 48 ] .
[ سورة يس ( 36 ) : آية 54 ]
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 )
لأنه يوم إيفاء الحقوق وجزاء الاعمال على وجه الحق والعدل في الثواب والعقاب إذ لا حكم لاحد غير الواحد القهار ، لارتفاع الأسباب العرضية والعلل الاتفاقية ، وانعدام أسباب الجور والظلم من جهالة الحكام وعجزهم عن إمضاء الأحكام على التمام ، وتدليس المتحاكمين وابدائهم الشبه والأوهام ، ولانتفاء القواسر والموانع وانسلاب التزاحم والتصادم والتضايق وغير ذلك من الأمور التي هي من باب ضروريات الأكوان الدنياوية والقوابل المادية المركبة من العناصر