بهذه الكرامة الإلهية من بين سائر الموجودات التي ليست لها درجة التجرد عن الماديات والإحاطة بالعقليات .
قوله : « من الأجداث » وهو جمع « جدث » اي : من القبور ، وهي لغة أهل العالية ، ويقول أهل السافلة بالفاء ، « والنسول » : الاسراع في الخروج ، اي :
يخرجون سراعا من القبور إلى الموضع الذي يحكم اللّه فيه ، لا حكم لغيره هناك .
مكاشفة قرآنية
ومن الاسرار العظيمة المتعلقة بقوله تعالى :
فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
انه لما تحقق وانكشف لذوي البصائر المستنيرة بنور اللّه والصدور المنشرحة للإسلام ، ان الدنيا مثال الآخرة ، والقالب ظل القلب ، فأحوال كل منهما شاهدة على أحوال الأخرى والعاقبة نتيجة السابقة ، والظاهر عنوان الباطن ، فنسل الأبدان من القبور إلى مواقف الآخرة كنسل الأرواح من الأبدان إلى المواقف الإلهية ، ليعلم أن الرب تعالى غاية قصد الإنسان وسعيه ، كما أنه مبدأ كونه وحدوثه ، ويتحقق حينئذ بمعنى قوله تعالى :
إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
.
وهذا مما لا يتيسّر لاحد الاطلاع عليه الا من جهة معرفة مبادئ تكون الإنسان وغاياته بعد ما تصور وتحقق ان الإنسان ذو وجهين 23 ، أحد وجهيه جسماني مظلم متغير في ذاته قابل للفناء ، والاخر منهما روحاني منير ثابت دائم بدوام علته الفياضة ، باق ببقاء ربه الحي القيوم
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ 55 / 27 ] والوجه الجسماني انما حياته ، ودوامه بالوجه