فما معنى هذه النسبة ؟ فإنها مما يؤذن بمزيد اتصال واقتران ، فإن كان نسبه إلى نفسه لان وجود هذا الروح منه فالجميع كذلك ، وقد نسب البشر إلى الطين ومنه قد حصل روح سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وان كان معناه أنه جزء من اللّه أفاض على القالب كما يفيض الماء من إناء مملّو إلى إناء أو كما يعطي المال على السائل ، فهذا يوجب تجزية ذات اللّه الواحد وتكثير أحديته - وهو ممتنع - فقد بطل كون إفاضته بمعنى انفصال شيء عن شيء .
قلنا : الكلام فيه موهم ، والعبارة عنه قاصرة عن بيان معنى هذه الإفاضة ، ولتكتف الضعفاء البصائر ، القاصرون في ادراك العلوم الإلهية بمثال الشمس 22 في هذا القول ، فان الشمس لو نطقت وقالت : « أفضت على الأرض من نوري » لكان حقا وصدقا ، ويكون معنى هذه النسبة ان النور الحاصل منها على وجه الأرض من جنس نورها الذي يوجب حيوة المكونات ونشو الحيوان والنبات وانبعاث النائمين من النفوس عن مراقد هي كقبور الأموات ، ويقهر الظلمات ويعذب الكفرة الخفافيش والفويسقات ، ويطرد المؤذيات ، ويبعد مردة الجن والشياطين برواجم الساطعات وهذه الجنسية ثابتة وان كان الفائض الواقع على وجه الأرض من النور في غاية الضعف بالقياس إلى نور الشمس .
فعلى هذا القياس قد علم أن « الروح » منزه عن الجهة والإشارة والجسمية ولوازمها المكانية والزمانية ، وفي قوته العلم بحقائق الماهيات ، والاطلاع على المغيبات ، والاقتدار على إحضار صور المجردات ، واستخدام ملائكة القوى والروحانيات ، وأخذ الأرض بقبضته وطي السماوات بيمينه ، وهذه كلها توجب مضاهاة له مع اللّه وتشبه بأخلاقه تعالى ، كما أشير اليه في الحديث النبوي صلى اللّه عليه وآله وسلم « 1 » فلذلك وقعت له هذه الإضافة المعنوية وخصت
هامش
( 1 ) -
تخلقوا بأخلاق اللّه .