النفساني ، ومنه يصل الخير والمدد إلى هذا الوجه ، ولو انقطع عن هذا فيضه لحظة لخرب سريعا وانهدم بناؤه وتعطلت آلاته وتفسخت صورته ، فأنت إذا طلبت مبدأ الإنسان وفتشت عنه فعليك أن تطلب وتفتش مبدأ جوهريته جميعا - الجسماني والروحاني .
فاعلم أولا أن غاية كل شيء ترتبط بمبدئه بل هي عينه كما وقعت الإشارة اليه مرارا ، وأن المبدأ والغاية كلما كانا أرفع من الوقوع تحت الأكوان المتغيرة كانا إلى جهة الوحدة والجمعية أقرب ، وكلما كانا أدنى وأنزل كانا إلى التعدد والافتراق أميل .
ثم اعلم أنه لا بد للخلق من المرور على المنازل والمراتب عند النزول عن عالم الوحدة والجمعية ، ثم الصعود إليها - ان ساعده التوفيق - بل لكل من الأكوان الطبيعية مبادئ مترتبة في النزول وغايات مترتبة في الصعود إلى جهة الحق ومبدأ كل شيء وغايته .
فمعرفة المبدإ والغاية للإنسان بل لكل شيء أفضل أجزاء العلوم الحقيقية والمعارف النبوية ، والعلم بمعاد الإنسان وما يؤل اليه حاله من أهم المطالب ، وهو الدواء النافع والدرياق الأعظم والإكسير الأحمر ، والجهل بالآخرة هو السم الناقع والمرض المهلك ، وبه تكون مرارة النزع عند الموت والفزع عند البعث للنفوس المريضة بداء الجهالة ، فمن عرف أن مجيئه من أين عرف أن ذهابه إلى أين ، ومن تأمل في كل واحد واحد من الأفاعيل التي لها غايات اختيارية أو طبيعية أو ذاتية ، وتدبر فيما هو المبدأ بالذات لصدورها وما هو الغاية لورودها لعلم يقينا أن الغاية في كل شيء هي بعينها ما هو المبدأ على وجه أشرف وأرفع .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 163
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٦٣