وهي بعينها احياء في نشأة أخرى ، كما أن موت الحواس حيوة للعقل وموت الإرادة حيوة الحقيقة ، لان الدنيا والآخرة متقابلتان - ما يوجب فناء إحداهما فهو يوجب بقاء الأخرى - وسيأتيك زيادة كشف في تفسير النفخة الثانية .
قوله سبحانه : [ سورة يس ( 36 ) : آية 50 ]
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ( 50 )
هذا اخبار عما يغشي الناس في النفخة الأولى عند قيام الساعة من الأحوال والأهوال ، وما ذكره من الأحوال المشتركة بين القيامتين الكبرى والصغرى .
أما انهم لا يستطيعون - اي لا يقدرون على الإيصاء بشيء ينفعهم في أمر آخرتهم أو في أعقابهم وأخلافهم - فلانقطاع العمل والسعي عند قيام الساعة وانتفاء العقب والأهل والولد بعد الموت لان ثبوت الشيء للشيء واضافته اليه متوقف على بقاء ذلك الشيء المنسوب اليه بل بقاء الطرفين ، والأول منتف في القيامة الصغرى ، والثاني في الكبرى .
واما نفي القدرة على الرجوع إلى أهلهم لما علمت من استحالة رجوع النفوس 21 من نشأة وقعوا فيها إلى نشأة سابقة عليها ، لان الطبائع مفطورة على التوجه إلى غاياتها الذاتية ، والتوجّهات الفطرية والتطوّرات الطبيعية ممتنعة الانعكاس والانقلاب - فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه - وهذا أصل متين قد ابتنى عليه كثير من القواعد والأحكام وقد بنينا عليه إبطال التناسخ كما هو مذكور في مقامه .