فإذا ثبت عندك ان الاعمال مؤثّرات في القلب ، والقلب بحسب تأثيرها يستعد لقبول الهداية ويستنير بنور المعرفة ، فإذا انكشف لديك هذا القول الكلي والقانون الأصلي الساري حكمه في جميع الأوامر والنواهي الشرعية وسائر التكاليف الدينية فاعلم أن الجواب عن قول الكفار : « لو شاء اللّه اطعام المساكين لاطعمهم » أن التكليف من اللّه شيء غير المشية ، وتكليف اللّه عباده بشيء من الطاعات يضاهي اعلام الطبيب للمريض دواء خاصا يوجب استفراغا لمواده الفاسدة كالحجامة وغيرها مع استغنائه عن ذلك ، فكذلك الباري يكلف عباده مع كونه غنيّا عن العالمين .
ثم إن نفس التكليف بتناول الدواء من الطبيب لا ينافي علمه بعدم تناول المريض له ، فكذا تكليفه تعالى لا ينافي تحقق علمه الأزلي وقضائه السابق بعدم قبول بعض العباد تكليفه لما في ذلك من المصلحة الكلية والفائدة .
فان رجعوا وقالوا : « فما الفائدة في التكليف في حق من لا يقبل ذلك من الكفار والفساق ، حيث لم يتعلق المشيّة الأزلية بقبولهم ، بل تعلقت بعدم قبولهم » ؟
قلنا : فائدته 17 يرجع إلى من سواهم من المؤمنين المطيعين ، الذين يؤثّر فيهم الدعوة والتكليف والانذار والتخويف
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
[ 79 / 45 ] كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحيحة .
وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى من ختم اللّه على قلوبهم وعلى أبصارهم غشاوة فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه والأعمش
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ
[ 9 / 125 ] غاية ذلك الزام الحجة وإقامة البيّنة عليهم ظاهرا
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ 4 / 165 ]
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ