في أبحر الشواغل الماديات ، ورقودهم في مراقد الجهالات - : أنفقوا شيئا مما رزقكم اللّه في طاعته واخرجوا ما أوجب عليكم إخراجه من أموالكم ، احتج الذين كفروا وستروا أنوار الحق بظلمات صفاتهم الردية وأفعالهم القبيحة للذين آمنوا وشهدوا آيات معرفة اللّه بنور بصيرتهم في منع حقوق اللّه وانكار فرائضه وإبطال أحكامه بأن قالوا : « كيف نطعم من يقدر اللّه على إطعامه ، ولو شاء إطعامه أطعمه ؟ فإذا لم يطعم دل على أنه لم يشأ » .
وهذه شبهة واهية ومغلطة داحضة احتج بها طائفة من أهل الإباحة والضلال وانحبل بمثل هذه الحبال كثير من العوام والجهّال ، وهي أوهن من بيت العنكبوت ونظير هذا القول قول من قال : « ان اللّه غني عن عبادتنا وغني عن أن يستقرض منا ، فأي معنى لقوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[ 2 / 245 ] وغنى عن المعاملة معنا ، فما وجه قوله :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
؟ [ 9 / 111 ] ولو شاء اطعام المساكين لاطعم ولا حاجة لنا إلى صرف أموالنا إليهم » .
فانظر كيف كانوا صادقين في دعواهم ، وكيف هلكوا بصدقهم كأكثر المتكلمين في مجالس العوام والحكام ، الممارين مع أهل الحق في مسائل الحلال والحرام بتمهيد بعض المقدمات المقبولة من النقليات ، طلبا للشبهات وإحلالا للمحرمات ، فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق ، وإذا شاء أسعد بالجهل
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
.
وأما افساد 16 حجتهم وحسم مادة شبهتم فبأنه يجب أن يعلم كل أحد ان الصفات والأخلاق مواريث الافعال والمعاملات ، وأن الاعمال علاج لمرض القلوب ودواء لما في الصدور ، والأمراض الباطنية حاجبة عن وصول العبد إلى سعادة