الرياسة على سائر الاقران ، فرب انسان سهل عليه ترك لذة الاكل والمباشرة وجمع المال واليسار ، الا أنه لا يمكنه ترك العلو والافتخار ، وهو آخر درجات الدنيا الذي لا يمكن الوصول إلى نعيم الآخرة الا بالتجاوز عنه ، كما قال سبحانه :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
[ 28 / 83 ] .
وأما الثالثة : فكتسويلات النفس الامارة بالسوء وتزيينها الاعمال الغير الصالحة وترويجها الكواسد وتحسينها القبائح وإبرازها الباطل في صورة الحق بسبب تخيلات فاسدة وتوهمات باطلة توجب إعجاب المرء بنفسه ، منشأها خبائث الباطن ودنائة الهمة وشيطنة الوهم ، كما في قوله تعالى :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ 18 / 103 ] .
وخصوصا ما يكون منشأها هذه العلوم الرسمية والفنون المشهورة ، وهي أغلظها حجابا ، وأعسرها دفعا وأكثرها فسادا ، وأقواها إعجابا للمرء بنفسه واغترارا بحاله ، فهي ما يقع لأكثر المتشبّهين بالعلماء الحقيقية من اغترارهم بظنونهم الفاسدة وأفكارهم الكاسدة ، وما سمعوا من ظواهر أحكام الشريعة وتلقّفوها من غير بصيرة ولا دراية ، وضمّوا إليها دعاوي باطلة ومقاصد شيطانية ولمقلديهم المشغوفين بما عندهم من سماع الحكايات والأمثال الواردة ، واجابتهم دعوة المضلّين البطّالين ، الفارغى الهمم عن مقاصد الدين ، ومتابعتهم استهواء الشياطين من الجن والانس ، والاغترار بخدعهم وتلبيساتهم المضلة المهلكة وهم الذين حكى اللّه عنهم وعن تحسّرهم وندامتهم في العاقبة بقوله :
رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ
[ 41 / 29 ] .