وأنظر كيف جعل أنورهما وأعظمهما آية النهار ، وأصغرهما آية الليل ، كما جعل العقل الأعظم آية نهار عالم الجبروت والقدرة والتأثير ، وهي أوائل الوجود الفائضة بحسب الإبداع من الحق المعبود ، وجعل النفس الكلية آية مساء عالم الملكوت والتأثر والقبول ، وهي ثواني الوجود التالية عن العقول في قبول الرحمة والجود .
فقوله :
« لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ »
اي : لا تدرك آية النهار آية الليل في وصف الحركة والانتقال والتجدد من حال إلى حال ، لكون القمر أقرب إلى عالم القوة والانفعال وضعف الأحوال ومنبع الدثور والزوال ، وهي الهيولى الأولى الواقعة في مهوى جحيم النكال ، وأسفل درك الخسة والوبال بخلاف الشمس فإنها أقرب إلى عالم الثبات والدوام والاتصال ، ومعدن الشرف والبقاء والكمال ، وأجدر بمجاورة القيوم المتعال ، الغالب على أمره والقاهر على كل شيء بالقدرة والجلال .
وقوله :
« وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ »
اي : لا يسبق آية الليل آية النهار في وصف النورية والشروق وقّوة الوجود والظهور ، فان الشمس نيّرة لذاتها ، قاهرة للغسق بحسب فطرتها وجوهرها ، يطرد الوحشة والظلمة عن هذا العالم كما يطرد ذات الباري تعالى العدم والإمكان عن العالم الأعلى ، والقمر يستعير النور من الشمس ويكتسب ويستوهب الضياء والشروق عنها وبسببها ، وكيف يسبق المستعير الكاسب المستفيض المستوهب لصفة كمالية على المبدإ الفياض الواهب المعطي إياها ؟
وفي هاتين الآيتين أسرار عظيمة لمن تأمل وتدبر في إبداعهما وتفكر في خلقهما وخلق عجائبهما وعجائب غيرهما من أنوار الكواكب والأفلاك وملكوت عالم السماوات والأرض ، إذ في كل منها آثار عجيبة وأنظار دقيقة لمن