ذلك الجري والسير الحثيث في طلب المبدإ الأول على ذلك التقدير والوجه الذي يكل في حسابه الدقيق دقائق الافهام ، ويتحير في استنباطه العقول والأوهام ، ويترتب عليه مع نفع الكائنات السافلات ونشو الحيوان والنبات على هذا النظام غايته الأصلية التي هي التشبّه بالخير الأعظم ، والتقرب إلى القيوم المنّور بنور الوجود والكرم لحقائق العالم ، المخرج لها عن ظلمة العدم ، ما هو الا بتقدير العزيز العليم ، القاهر فوق عباده ، والغالب على كل مقدور ، والمحيط علما بوجوه الخير والنظام في كل معلوم ، وكل ما كانت قدرته كاملة وعلمه شاملا ، فيجب أن يكون رحمته دائمة ونعمته باسطة ، ويكون وجود الموجودات منه على غاية الخير في النظام ، ونهاية الفضيلة والتمام والاستمرار والدوام .
[ سورة يس ( 36 ) : آية 39 ]
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 )
« والقمر » قرئ مرفوعا ، اما على الابتداء أو عطفا على الليل ، اى : ومن آياته القمر وقرئ منصوبا بفعل يفسره « قدرناه » ولا بد حينئذ من ارتكاب حذف مضاف ، اي : قدرنا مسيره منازل ، إذ لا معنى لتقدير نفس القمر منازل .
والقمر جرم كري غير مشف مركوز في سخن فلكه ، يستضيء أكثر من جرمه من نور الشمس لكثافته وصقالة سطحه ، الواقع دائما في محاذاة الشمس من غير حجاب ، الا عند مقاطرته الحقيقيّة أو ما يقرب منها مع الشمس فيحجبه الأرض عند ذلك عن مواجهة الشمس ووقوع ضوئها عليه ، فيرى مظلما منخسفا كله أو بعضه .
وانما هدى الناس الحكم باستنارته من الشمس مشاهدة التشّكلات