يفضى إلى بعض ، اما بواسطة أو وسائط ، حتى ينتهي إلى العلم الإلهي ، فكلما كانت الوسائط بينه وبين معرفة اللّه أقل كان أفضل .
وأما الأحوال ، فيعنى بها أحوال القلب من تصفيته وتطهيره عن شوائب الدنيا وشواغل القلب ، حتى إذا أطهر وصفا اتضح له حقيقة الحق ، فإذا فضايل الأحوال بقدر تأثيرها في إصلاح القلب وتصفية لوحه لان يحصل له المعارف الإلهية ، وهكذا يترتب الاعمال في تأكيد صفاء القلب وجلب الأحوال ودفع الحجب والظلمات المانعة عن المكاشفات عنه .
فكما أن الحالة القريبة أو المقربة من صفاء القلب أفضل مما دونها لا محالة فكذا الاعمال بحسب مراتبها في التأثير في صفاء القلب والدفع لما يجذبه إلى زخارف الدنيا ، والطاعة والمعصية عند المتحققين بالعقائد الشرعية والقواعد الدينية اسمان موضوعان لباعث صفاء القلب وباعث كدورته وظلمته على درجاتها ، إذ المعاصي من حيث التأثير في ظلمة القلب وقساوته تكون كبيرة وصغيرة متفاوتة جدا ، وكذا الطاعات في تنوير القلب وتصفيته وترقيقه ، فدرجاتها بحسب تأثيراتها ، وذلك يختلف باختلاف الأحوال .
فان قلت : فقد حث الشرع على الاعمال وبالغ في ذكر فضلها .
قلنا : ان الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يلزم منه أن الدواء مراد لعينه ولا على أنه أفضل من الصحّة والشفاء الحاصلين به ، ولكن الاعمال علاج لمرض القلوب ومرض القلب مما لا يشعر به غالبا ، فالحث على الاعمال يوجب أقدام العباد عليها ، ولكل عمل خاصية في القلب ، فيترتب على فعل الحسنات وترك المحظورات ما هو مقصود الشريعة من تصفية الباطن ، الموجبة لسياق الخلق إلى جوار اللّه ومعرفته وقربه .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 94
مساهمون: محمد خواجوى
ص٩٤