تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
على الفاعل من إيجاده أوّلا ، فاقتداره على الإبداء كاشف عن اقتداره على الإعادة . وهذا بخلاف تحقّق الفرد الضعيف ، فإنّه ليس دليلا على تحقّق الفرد الشديد ، فإن تحقّق إعطاء الدرهم من زيد لا يدلّ على إمكان إعطاء الصرّة منه . وفي جانب السلب بعكس ذلك ، إذا سلب الفرد الضعيف عن شيء يدلّ على سلب الفرد القوي أيضا بدون عكس ، فإنّ حرمة الافّ للأبوين دالّ على حرمة الضرب والقتل دون العكس . وسلب القيّومية عن الشيء الواحد يتصوّر على أنحاء : إما برفع ذاته - تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا - وإمّا برفع أصل صفة الإيجاد والإدامة ، وإمّا بتحقّقها مع الفتور . ومراتب الفتور في الفاعلية أيضا مختلفة كمالا ونقصا . وأضعف الجميع السنة . ثمّ النوم ، لأن الفتور الحاصل بفساد أسباب الفاعلية كصفة القدرة ، أو الإرادة ، أو العطوفة ، أو الرحمة ، أو العلم برجحان الفعل ، وغير ذلك - أقوى وأشدّ . ثمّ إن مراتب كل من السنة والنوم مختلفة كمّا وكيفا . فإنّ السنة في السنة أشدّ في بابها من السنة في الشهر . وكذا النوم في اليوم أشدّ في بابه من النوم في الساعة ، وأضعف الجميع « سنة مّا » و « نوم ما » على التنكير الإبهامي ، إذ يكفي في تحقّقه لحظة ما وأقلّ منها . فإذا انتفي هذه الفرد الضعيف عنه تعالى فلا بدّ أن يكون غيره من الأفراد منتفية ، وبانتفاء الجميع قد انتفت طبيعة الأمر العدمي ، أعني رفع القيّومية ، وبانتفاء هذا الرفع يتحقّق قيّوميته تعالى ، لأن رفع الرفع يستلزم الإيجاب ، فقال سبحانه :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
ليكون تأكيدا لقوله :
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
. والمعنى أنه تعالى لا يفترّ عن تدبير الخلق لحظة ، وإلا لتساقطت السماوات