الكاتب الذي زمنت يده وخرجت عن أن يكون لها صلاحيّة الكتابة ، فإن معنى « الموت » في الحقيقة زمانة البدن كلّه ، وأنت تعلم أن زمانة اليد خروجها عن طاعة النفس مع وجود شخصها ، لبطلان القوّة التي بواسطتها يستعمل اليد .
فافهم إن كنت من أهله أن الموت زمانة مطلقة في جميع الأعضاء ببطلان قواها ، فيسلب الموت منك يدك ورجلك وعينك وسائر حواسّك ، وأنت باق - أعني حقيقتك التي بها أنت أنت ، فإنّك الآن الإنسان الذي كنت في الصبى ولعلّه لم يبق منك من تلك الأجسام شيء ، بل انحلّ كلّها وحصل بالغذاء بدلها وأنت أنت ، وجسدك غير ذلك الجسد .
فالحاصل أن للنفس في استعمالها القوى والحواسّ الظاهرة حالات أربعة :
قوّة ، واستعداد ، وفعليّة ، وبطلان . فالقوّة : كما للجنين قبل خروجه إلى الدنيا .
والاستعداد : كما للنائم والسكران والمغمى عليه . والفعليّة : كما لليقظان . والبطلان : كما للميت .
واعلم أن النوم والموت مشتركان أيضا في بقاء المدارك الباطنيّة للنفس الناطقة - كالعقل والوهم والخيال - .
وتحقيق ذلك على أن العوالم بكثرتها ثلاثة ، والمدارك الإنسانية على شجونها ثلاثة ، والإنسان بحسب غلبة كل واحدة منها يقع في عالم من هذه العوالم والنشآت ، فبالحسّ يقع في العالم الدنياوي ، وبه ينال الصور الحسية الكائنة الفاسدة الملذّة والمؤلمة بحسب الملائمة والمنافرة ، وبالقوّة الباطنيّة الجزئية يقع في النشأة الثانية التي هي عالم الصور الأخروية المنقسمة إلى الجنّة والجحيم ، وبالقوة الباطنة العقلية يقع في النشأة الثالثة التي هي عالم الصور العقليّة الإلهية الأفلاطونيّة .
فالناس أصناف ثلاثة : أهل الدنيا - وهم أهل الحس كالأنعام والبهائم أو
تفسير القرآن الكريم — صفحة 101
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٠١