في كل شيء عشقا جبليّا لما هو كامل منها لكماله - لينحفظ به كماله - وشوقا غريزيّا لما هو ناقص منها إلى كماله ليتحرّك نحو كماله الممكن في حقّه ويجبر بها نقصه ، ولهذا قيل : « لولا عشق العالي لا نطمس السافل » .
و « جوده » تعالى عبارة عن إعطائه لكل شيء ما يليق به من غير غرض ولا عوض ، سواء كان عينا أو ثناء أو صيتا أو فرحا ، وبالجملة « الجواد الحقيقي » من لا يكون إعطائه شيئا لأجل أولويّة حاصلة من العطاء عائدة إلى ذاته ، وإلا لم يكن إعطائه جودا محضا ، بل معاملة واستفاضة ، فلم يكن تامّا في ذاته ، لأنه عادم كمال يجبر بذلك الإعطاء نقصانه ، وكلّما كان كذلك لم يكن قيّوما بذاته ، وإلا لم يقتصر في تحصيل كماله إلى وسط ، فحيث يكون كمال بلا نقص ، وتمام بلا قصور ، وفعل بلا قوة كان فعله منبعثا عن ذاته بذاته ، وكرمه ناشيا عن حاقّ حقيقته غير معلّل لغيره ولا مستند إلى ما سواه ، فيكون فعله جودا حقيقيا .
وإذا ثبت أنه جواد حقيقي لم يكن في ذاته ولا في فعله مفتقرا إلى غيره ، فيكون غنيّا من جميع الوجوه ، وكلّ ما سواه لإمكانه مفتقرا إليه ، كما في قوله تعالى :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
[ 47 / 38 ] .
ومنها أنه لمّا كان قيّوما كان مالكا وملكا للموجودات الممكنة ، ويكون العوالم كلّها ملكه وملكه لقوله تعالى :
« لَهُ الْمُلْكُ »
[ 6 / 73 ] ولقوله :
« وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
[ 3 / 189 ] وذلك لأن القيّوم - بمعنى المقوّم لما سواه ذاتا ووجودا - يلزمه أن يكون له وجودات الأشياء وذواتها ، لأن المعلول - بما هو معلول - إنّما وجوده لعلّته الموجبة له - وقد حقّقنا ذلك بما لا مزيد عليه في موضعه « 1 » - و « المالك للشيء » ما له ارتباط ما إليه ، و « الملك للشيء »
هامش
( 1 ) راجع الاسفار الأربعة : ج 2 الفصل 25 و 26 من المرحلة الخامسة .