الصريح أصول فاسدة ارتكبوها تعصّبا وعنادا من غير بصيرة كشفيّة ، ولا معرفة حاصلة من أصول صحيحة إلهيّة مقتبسة من مشكاة نبويّة ، أو حذرا من الاعتراف بالجهل والقصور في إدراك الأسرار الايمانيّة والمعارف الربوبيّة ، وكيفيّة صدور الأفعال الإلهيّة على الوجه الذي لا يوجب نقصا ولا نقضا ، فإن ذلك مما لا يتيسّر إلا برفض الهوى والشهوات ، وترك الجاه والترفّعات ، واختيار الخمول والانزواء ، وإيثار الفناء على الشهرة والرياء مع سلامة الفطرة وشدّة الذكاء .
ومنها أنه تعالى إذا كان حيّا كان سميعا بصيرا ، لأن الحياة مصحّحة للإدراك بأنحائه ؛ إلا ما يوجب تكثّرا أو تجسّما ، والمصحّح للشيء بمعنى الإمكان العامي في عالم الربوبيّة وعالم التجرّد كاشف عن الضرورة اللزوميّة ، إذ لا جهة إمكانية في ذات الواجب ، لاستلزامها التركيب فيه من الجهتين - الإمكان والوجوب - كما لا وجه هناك للإمكان بمعنى القوّة والاستعداد ، لأنه من لواحق المادّة الجسمانية - كما حقّق في مقامه - .
وإنما قلنا أن السمع والبصر مع كونهما نحوان مخصوصان من الإدراك لا يوجبان نقصا ولا تكثّرا لأن تخصّصهما ليس باعتبار المحلّ ليوجب التجسّم - تعالى عنه علوّا كبيرا - بل إمّا باعتبار المتعلّق - فإن مدرك أحدهما الأصوات والحروف ومدرك الآخر الأضواء والألوان - أو باعتبار نفس الإدراك ، فإنّهما مما يعتبر فيهما المشاهدة الحضوريّة والانكشاف الإشراقيّ النوري ، بخلاف مطلق العلم بالمسموعات والمبصرات ، إذ لا يقال له السمع ولا البصر ما لم يكن بنحو المشاهدة ، فيكون اتّصافه تعالى بهذين الوصفين بالحقيقة لا بالمجاز - كما ظنّ - وأمّا الجارحة المخصوصة فليست معتبرة في
تفسير القرآن الكريم — صفحة 93
مساهمون: محمد خواجوى
ص٩٣