تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
مطلق السمع ولا في مطلق البصر ، إذ لو فرض أن اللّه خلق الحالة الإدراكيّة البصريّة في الجبهة لكان الشخص بصيرا ، وكذا الحال في السمع ، أو لا ترى أن الإنسان في حالة النوم - وهو عبارة عن عدم استعمال النفس حواسّها الظاهرة لكلال وفتور يعرضها - يبصر ويسمع لا بهاتين الجارحتين ولا بغيرها ؟ بل بذاتها الحيّة السميعة البصيرة ؟ فإن للنفس في ذاتها سمعا وبصرا وذوقا وشمّا ولمسا ويدا باطنة ورجلا ماشية ، وهذه الحواسّ الظاهرة الجسمانيّة حجاب لها عن استعمال مشاعرها الداخلة ، وقواها وجنودها الباطنة ، وعند رفض هذه العوائق - إما بالموت الإرادي أو الطبيعي - يتحقّق بذاتها ويتخلّص في استعمال آلاتها الذاتيّة وجنودها الباطنية . وإليه أشير في قوله تعالى :
« فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ »
[ 50 / 22 ] فاجعل النفس الإنسانية مقياسا لك في معرفة كثير من الصفات الإلهية لأنه سبحانه خلقها لتكون معرفتها - ذاتا وصفاتا وأفعالا - مرقاة لمعرفة باريها كذلك . فإن قلت : فلم ذا لم يستعمل في حقه تعالى أنه شامّ أو ذائق أو لامس ؟ قلنا : لإشعار هذه الثلاثة بالتجسيم دون « فوق - ن » الحالتين الأوليين لأنهما ألطف الحواسّ ، ومحسوسهما ألطف المحسوسات - كما ذكره بعض الحكماء الإسلاميّين في رسالة له قدس سره - . ومنها أن كونه قيّوما يوجب كونه حكيما جوادا غنيّا ، لأن حكمته إيجاد الموجودات على أحكم وجه وأتقنه بحيث يترتّب عليها المنافع ويندفع عنها المضارّ ، ولو لم يكن حكيما لكان في إيجاده للأشياء نوع خلل أو قصور أو نقصان فلم يكن قيّوما بذاته إذ يتصوّر قيّوم آخر غيره لم يكن فعله ذا خلل وآفة - هذا خلف فثبت أنه حكيم في أفعاله على الوجه المذكور ، وهو إنما ينتظم بايداعه