تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
وأما ما فرّعه بعض الفضلاء على قيّوميته تعالى من حدوث العالم « 1 » - ووجّه ذلك بأنه لمّا كان قيّوما لكل ما سواه ، كان كلّ ما سواه محدثا ، لأن تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقائه - لأن تحصيل الحاصل محال - فإما حال عدمه أو حال حدوثه ، وعلى التقديرين وجب أن يكون الكل حادثا - محل نظر ، إذ قد تبيّن في مقامه أن الممكن مفتقر إلى العلّة ، وعلّة افتقاره إليها هي من جهة إمكانه ، لا من جهة حدوثه شرطا أو شطرا أو استقلالا ، والإمكان حاصل للممكن دائما ما دام ذاته ، لأنه من لوازمه البيّنة ، بخلاف الحدوث ، وإذا كانت العلّة دائمة كان المعلول دائما ، فالافتقار إلى المرجّح ثابت للممكن حين بقائه كما هو ثابت له حين حدوثه ، فالعلّة مؤثرة في رجحان وجود الممكن على عدمه حدوثا وبقاء . وأما حديث تحصيل الحاصل : فالحق أن المحدث تحصيله بتحصيل ثان لا بنفس هذا التحصيل ، إذ لا محذور فيه ، بل العليّة لا ينفك عنه ، على أن السبب المؤثر في الشيء حدوثا وبقاء أقوى في السببيّة وأولى باسم السبب ممّا يكون أثره نفس الحدوث دون الدوام ، على أن العليّة ليست إلا مجرّد الاستتباع في الوجود ، كحال النيّر والضوء الحاصل منه في الأجسام القابلة ، لا كنسبة ذات الكاتب وكتابته ، بل كنسبة المتكلم وكلامه . والعجب أن أصحاب هذا الفاضل مما صرّحوا القول بأن الباري سبحانه لو جاز العدم عليه بعد إحداث العالم لما ضرّ عدمه وجود العالم . وهذا غاية الجهل والفساد في النفس ، حيث ارتكب هذا القول الشنيع والظلم الفظيع ، وغفلت عن أن المعلول ليس وجوده إلا لمعة فائضة من المبدأ الأعلى ، أو ظلا حاصلا عن السبب الأقصى ، وإنما حداهم إلى هذا القول القبيح ، والظلم
هامش
( 1 ) فخر الدين الرازي في تفسيره : 1 / 464 .