تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وفي الواجب إلى ما يكون عالما بالفعل بجميع الأشياء ، قادرا بالذات على كلّ الموجودات ، لتعاليه عن القوّة والكلال ، وارتفاعه عن التجدّد والانتقال - ولا شكّ أن هذا مما يوجب المدح والثناء . أقول : وعلى هذا التحقيق لا يحتاج إلى ما عدل إليه الخطيب الرازي وتبعه النيسابوري من أن « الحيّ » في اللغة ليس عبارة عمن يوجد فيه هذه الصحّة من هذه الحيثيّة فقط ، بل كلّ شيء يكون كاملا في جنسه فإنه يسمى « حيّا » ومن هاهنا صحّ أن يقال لعمارة الأرض الخربة « إحياء الموات » وقال تعالى :
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ 30 / 50 ] وقال :
إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا
[ 35 / 9 ] فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة فسمّيت حيوة ، وكمال حال الأشجار أن تكون مورّقة نضرة فسميت حيوة ، والصفة المسماة بالحياة في عرف المتكلمين كمال للجسم ، لأن كمال الجسم أن يكون حسّاسا متحرّكا ، فلا جرم سميت هذه الحالة حيوة فثبت أن المفهوم من « الحيّ » هو « الكامل في جنسه » والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته ، فلا حيّ بالحقيقة إلا واجب الوجود لذاته - انتهى قوله « 1 » . وفيه من التعسّف ما لا يخفى على الذوق المستقيم : أما أولا فلأنّ دعوى كون « الحياة » في اللغة بمعنى ذي الشعور والعقل الإرادي بعيد عن الإنصاف كما يظهر لمن تتّبع موارد استعمالات هذا اللفظ . وأمّا ثانيا فلأن كمال كل شيء - في جنسه أو نوعه - لو كان حياته في عرف اللغة لجاز أن يقال في اللغة لكل كامل في جنسه أنه حيوان ، وليس كذلك إذ لا يقال للذهب الكامل العيار : إنه حيوان . وللثوب الكامل في نسجه : إنّه حيوان
هامش
( 1 ) مفاتيح الغيب للرازي : 1 / 466 ملخصا .