المبالغة في كل لازم وضعت للتعدية - كما هو شأن باب الإفعال والتفعيل وحروف الجرّ - بل المراد أن الشيء إذا صار تامّا في معنى من المعاني واشتدّ تمامه فيه حتّى صار فوق التّمام يفضل منه ذلك المعنى على غيره ، فكذلك المبالغة في معنى القيام مما تستدعي - عقلا لا لفظا - الإقامة والإدامة والحفظ .
والحاصل أن دلالة « القيّوم » على « الحافظ المديم لكل شيء » دلالة عقلية لا وضعية ، وكثيرا ما يذكر في اللغة المعاني الالتزاميّة التي صارت لكثرة الاستعمال بمنزلة المعنى المطابقي .
ثم لأحد أن يقول لم لا يجوز أن يكون القيّوم بالمعنى المذكور غير مأخوذة من قام بالمعنى الذي مرّ ، بل بمعنى آخر مناسب قد ترك استعماله فيه - ونظائره في اللغة كثيرة . مثال ذلك « يذر » و « يدع » المأخوذان من « وذر » و « ودع » - على رأي - وأصلاهما مهجوران في الاستعمال - .
وأمّا في الجواب : فلأنّ المبالغة في لفظ واحد لا تكون إلا مبالغة واحدة في معناه الأصلي ، فإذا سلم كون المبالغة في هذا اللفظ ممّا يجعل معنى « القيام » معنى « الحفظ » فلم يحصل من المبالغة في القيام التي هي من أسباب التعدية بحسب اللفظ - على ما تصوّره وفرضه - إلا مجرّد الحفظ ، لا الاستقلال فيه فمن أين حصل معنى « الاستقلال » من التعدية التي مفادها الحفظ والإدامة ومنشأها المبالغة في معنى القيام ؟ ليتفرّع عليه توقفه على إعطاء ما به القوام .
بل الحقّ أن يقال في هذا المقام : أن هذا المعنى أيضا يحصل من المبالغة في أصل القيام ، فإنّ الشدة والكمال فيه على الوجه الأبلغ الأوفى كما يوجب الإقامة للغير يوجب الاستقلال في الإقامة أيضا ، وهذا مما لا يحصل إلا بإفادة أسباب كل شيء وإعطاء ما به قوام ذاته ووجوده ، ولهذا حكموا بأن لا مؤثر في الوجود إلا اللّه ، وهذا أحد الوجوه لتوحيد الأفعال ، وبه تعلم أيضا وجها
تفسير القرآن الكريم — صفحة 83
مساهمون: محمد خواجوى
ص٨٣